Site icon صحيفة صدى نيوز إس

يوم الأب… حين يمرُّ الصامتون دون أن ينتبه إليهم أحد

بقلم: أحمد علي بكري

انقضى يوم الأب بالأمس كما تنقضي أشياء كثيرة جميلة في حياتنا دون أن نمنحها ما تستحقه من اهتمام. مرَّ اليوم هادئاً، صامتاً، باهتاً، كأنه لم يكن، وكأن الرجل الذي أفنى عمره كله في سبيل أسرته لا يستحق حتى أن يتذكره أبناؤه ليوم واحد. مضى يوم الأب كضيف ثقيل لم ينتظر أحد قدومه، ولم يحزن أحد كثيراً على رحيله، بينما امتلأت منصات التواصل في أيام أخرى بالورود والقلوب والاحتفالات والمجاملات العابرة. مسكين هو الأب، ذلك الكائن العظيم الذي يعيش عمره كله وهو يمنح، ثم يرحل في كثير من الأحيان دون أن يأخذ سوى القليل من الامتنان.

الأب هو الإنسان الوحيد تقريباً الذي اعتاد الجميع على عطائه حتى ظنوا أن العطاء جزء من طبيعته وليس تضحية منه. هو من يستيقظ باكراً قبل أن تستيقظ المدينة، ويعود متعباً بعدما يخلد الجميع إلى الراحة. هو من يحمل هموم البيت وفواتيره ومسؤولياته ومخاوفه بصمت، ثم يجلس على مائدة الطعام مبتسماً حتى لا يشعر أبناؤه بشيء من أوجاعه. كم من أب أخفى مرضه حتى لا يقلق أبناءه؟ وكم من أب تنازل عن حلم شخصي، أو أجل مشروعاً كان يتمناه، أو حرم نفسه من أشياء كثيرة فقط لأن أبناءه كانوا أولى؟ وكم من أب عاد إلى منزله منهكاً، لكنه تظاهر بالقوة حتى يبقى في أعين أسرته ذلك الجبل الذي لا يهتز؟

الأب لا يبكي كثيراً أمام الناس، ليس لأنه لا يشعر، بل لأنه تعلم أن دموعه رفاهية لا يملكها. المجتمع ينتظر منه أن يكون صلباً دائماً، قوياً دائماً، قادراً دائماً، حتى وإن كان من داخله منهكاً ومتعباً ومحطماً. لذلك يشيخ كثير من الآباء بصمت. تتجعد وجوههم، وتنحني ظهورهم، ويغزو الشيب رؤوسهم دون أن يلاحظ أحد أن سنوات أعمارهم كانت تحترق ببطء من أجل أن تبقى أسرهم بخير.

المؤلم أن الأب غالباً لا يسمع كلمات الحب التي يستحقها. نادراً ما يسمع ابنه يقول له: “أحبك يا أبي”. ونادراً ما يسمع ابنته تقول له: “شكراً لأنك كنت سنداً لنا”. وكأن الحب تجاه الأب شعور مؤجل دائماً، أو شعور نخجل من التعبير عنه، حتى يأتي اليوم الذي يغيب فيه الأب فجأة، فنكتشف أن الكلمات التي بخلنا بها عليه أصبحت ثقلاً في صدورنا لا نستطيع التخلص منه.

وحين يغيب الأب، لا يغيب شخص واحد فقط، بل تغيب أشياء كثيرة معه. يغيب الأمان الذي كنا نشعر به دون أن ندرك سببه. يغيب ذلك الصوت الذي كان يسأل: “هل وصلتم بخير؟”. يغيب ذلك القلق الذي كنا نعتبره تدخلاً، لنكتشف لاحقاً أنه كان حباً خالصاً. يغيب الباب الذي كنا نطرقه كلما ضاقت بنا الحياة. يغيب الرجل الذي كان يبدو لنا قوياً إلى درجة أننا نسينا أنه بشر يتعب ويحزن ويحتاج هو الآخر إلى من يربت على كتفه.

هناك أبناء كثيرون لم يعرفوا قيمة آبائهم إلا عند الوقوف على قبورهم. هناك من يقف اليوم أمام شاهد قبر أبيه متمنياً لو أن الزمن يعود دقيقة واحدة فقط ليعتذر عن قسوة قديمة، أو عن كلمة جارحة، أو عن سنوات من الانشغال والجفاء. هناك من يفتش في هاتفه عن رسالة قديمة من والده، أو يستمع إلى تسجيل لصوته مراراً وتكراراً لأنه يخشى أن ينسى نبرته. وهناك من لا يزال حتى اليوم يسمع صوت أبيه في ذاكرته كلما واجهته مصاعب الحياة، فيدرك متأخراً أن الأب لم يكن مجرد فرد في الأسرة، بل كان وطناً كاملاً.

وربما لن يدرك كثير من الأبناء حجم الألم الذي كان يعيشه آباؤهم إلا عندما يصبحون آباءً هم أنفسهم. عندما يسهرون الليل قلقاً على طفل مريض، وعندما يعملون لساعات طويلة لتأمين احتياجات أسرهم، وعندما يكتشفون أن الأبوة ليست سلطة كما كانوا يظنون، بل تضحية مستمرة لا تنتهي. عندها فقط سيفهمون لماذا كان الأب شديداً أحياناً، ولماذا كان قلقاً دائماً، ولماذا كان يكرر النصائح نفسها مرات كثيرة. سيكتشفون أن الأب لم يكن يحاول التحكم بحياتهم، بل كان يحاول حمايتهم من أوجاع سبق له أن عاشها بنفسه.

إن الأب يشبه عمود الخيمة؛ لا ينتبه أحد إلى أهميته ما دام قائماً، لكن الجميع يشعر بالكارثة عندما يسقط. ولأننا نعتاد وجوده، فإننا نؤجل حبنا له، ونؤجل كلماتنا الجميلة، ونؤجل امتناننا، وكأننا نملك ضمانة أبدية بأنه سيبقى معنا دائماً. لكن الحقيقة القاسية أن الآباء يرحلون أيضاً، وحين يرحلون لا يعود الندم قادراً على إعادة الزمن إلى الوراء.

إذا كان يوم الأب قد مضى، فإن الفرصة لم تمض بعد. اتصل بأبيك إن كان حياً، أخبره أنك تحبه، اجلس معه قليلاً، استمع إلى أحاديثه القديمة، احتضنه دون مناسبة، فربما لا يدرك الآباء حجم مكانتهم في قلوب أبنائهم لأن أبناءهم لا يقولون ذلك بما يكفي. أما من فقد أباه، فليجعل الدعاء له عادة لا تنقطع، فالآباء وإن غابوا عن الدنيا، فإن أثرهم يبقى ممتداً في أرواح أبنائهم إلى آخر العمر.

رحم الله الآباء الراحلين، وحفظ الله الأحياء منهم، فالعالم دون الآباء أكثر قسوة، وأكثر وحشة، وأكثر حزناً مما نظن.

Exit mobile version