بقلم أحمد علي بكري
ليست اللغات مجرد وسائل للتخاطب، بل هي أوعية تحفظ ذاكرة الأمم، وسجلات حية تحمل آثار الحضارات التي تعاقبت على الأرض، حتى وإن تبدلت الدول وسقطت الإمبراطوريات. وبين صفحات التاريخ الأوروبي، تقف اللغة البرتغالية شاهداً مدهشاً على واحدة من أعظم عمليات التفاعل الحضاري في التاريخ، حيث ما زالت اللغة العربية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لملايين البرتغاليين، دون أن يشعر معظمهم بأنهم ينطقون بكلمات عربية تعود جذورها إلى أكثر من ألف عام. فحين يتحدث المواطن البرتغالي عن منزله أو طعامه أو تجارته أو علومه أو حتى دعائه وأمنياته، فإنه يستحضر إرثاً لغوياً تركه المسلمون في شبه الجزيرة الإيبيرية، إرثاً صمد أمام الحروب، وتجاوز الحدود السياسية، واستقر داخل بنية اللغة نفسها حتى أصبح جزءاً أصيلاً منها.
قد يظن الكثيرون أن البرتغال، باعتبارها دولة أوروبية كاثوليكية تنتمي لغتها إلى اللغات الرومانسية المتفرعة من اللاتينية، بعيدة كل البعد عن العربية، لكن المفاجأة أن الدراسات اللغوية تشير إلى وجود مئات، بل وآلاف المفردات ذات الأصل العربي في البرتغالية، كثير منها لا يزال مستخدماً يومياً، وبعضها احتفظ حتى بأداة التعريف العربية “الـ” التي التصقت بالكلمة وأصبحت جزءاً دائماً منها، في ظاهرة لغوية نادرة تعكس عمق التأثير العربي والإسلامي.
لفهم هذا الامتزاج اللغوي، لا بد من العودة إلى عام 711م، حين عبرت جيوش المسلمين بقيادة طارق بن زياد مضيق جبل طارق، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ أوروبا عُرفت بعصر الأندلس. وخلال سنوات قليلة امتد الحكم الإسلامي ليشمل معظم شبه الجزيرة الإيبيرية، بما فيها الأراضي التي تشكل اليوم دولتي إسبانيا والبرتغال. ولم يكن الوجود الإسلامي في تلك المناطق مجرد حملة عسكرية مؤقتة، بل تحول إلى مشروع حضاري استمر قروناً طويلة، بلغت في بعض المناطق نحو ثمانية قرون، بينما بقيت أجزاء واسعة من جنوب البرتغال، وخاصة إقليم الغرب “الغارف”، تحت الحكم الإسلامي لأكثر من خمسة قرون متواصلة.
خلال تلك الحقبة، شهدت المنطقة نهضة غير مسبوقة في العلوم والهندسة والزراعة والطب والفلك والرياضيات والعمارة والإدارة. فقد أنشأ المسلمون المدن المنظمة، ومدوا شبكات المياه، وأقاموا السدود والقنوات، وأدخلوا أنظمة الري الحديثة، وأسسوا المكتبات والمدارس والمراصد الفلكية والمستشفيات، في وقت كانت أجزاء كبيرة من أوروبا تعيش ما يُعرف بالعصور الوسطى. وعندما تتفوق حضارة على أخرى في المعرفة والاقتصاد والتقنية، فإن لغتها تصبح لغة العلم والإدارة والتجارة، وهو ما حدث تماماً في الأندلس والبرتغال الإسلامية، حيث انتقلت آلاف المصطلحات العربية إلى السكان المحليين، ثم بقيت حتى بعد انتهاء الحكم الإسلامي.
من أكثر الظواهر إثارة للانتباه بقاء أداة التعريف العربية “الـ” داخل عشرات الكلمات البرتغالية. ففي العربية نقول “المخدة”، بينما أصبحت في البرتغالية “Almofada”. ونقول “الخياط”، فتحولت إلى “Alfaiate”. ونقول “الهاون” أو “المهراس”، فأصبحت “Almofariz”. ونقول “الخزان”، فظهرت بصيغة “Armazém” عبر تطور لغوي طويل مرتبط بالمخازن التجارية. وحتى كلمة “البركة” تركت أثرها في أسماء أماكن عديدة داخل البرتغال وإسبانيا.
وفي عالم العمارة والفنون، يكاد يكون التأثير العربي أكثر وضوحاً. فالزائر للبرتغال يلاحظ انتشار الألواح الخزفية المزخرفة التي تغطي الكنائس والقصور ومحطات القطارات والمباني التاريخية، وهي من أشهر الرموز البصرية للبلاد. ويطلق البرتغاليون عليها اسم “Azulejos”، وهي كلمة مشتقة من العربية “الزليج”، ذلك الفن الإسلامي الراقي الذي ازدهر في المغرب والأندلس، وانتقل إلى البرتغال حتى أصبح جزءاً من هويتها الفنية الوطنية. ولم تنتقل الكلمة وحدها، بل انتقلت معها تقنيات التصنيع والزخرفة والهندسة الإسلامية القائمة على التناظر والدقة الرياضية، والتي لا تزال تبهر المعماريين حتى اليوم.
أما المطبخ البرتغالي، فهو يحمل بدوره بصمات عربية واضحة. فالمسلمون لم ينقلوا الكلمات فقط، بل نقلوا المحاصيل وأنظمة الزراعة وأساليب الري، مما أحدث ثورة زراعية في شبه الجزيرة الإيبيرية. فكلمة “Arroz” للأرز تعود إلى “الأرز”، و”Açúcar” إلى “السكر”، و”Azeite” إلى “الزيت”، و”Azeitona” إلى “الزيتونة”، و”Laranja” للبرتقال، و”Espinafre” للسبانخ. كما أدخل المسلمون زراعة الحمضيات والرمان والزعفران وقصب السكر والقطن والأرز، وغيروا طبيعة الاقتصاد الزراعي للمنطقة بالكامل. ولم يكن انتقال هذه المنتجات مجرد تجارة، بل نقل معه أسماءها العربية التي بقيت حتى يومنا هذا.
وفي الأسواق والتجارة، تظهر آثار العربية في كلمات مثل “Armazém” للمخزن، و”Alfândega” للجمارك، وهي مشتقة من “الفندق”، إذ كانت الفنادق في الحضارة الإسلامية تؤدي أدواراً تجارية وإدارية إلى جانب استقبال المسافرين، قبل أن يتطور المعنى مع الزمن. كما توجد كلمات أخرى مرتبطة بالموازين والقياس والمعاملات التجارية تعود جذورها إلى اللغة العربية نتيجة الدور الاقتصادي الكبير الذي لعبه المسلمون في الأندلس.
أما في العلوم، فإن التأثير العربي يتجاوز المفردات ليصل إلى أسس المعرفة الأوروبية نفسها. فكلمة “Álgebra” ليست سوى ترجمة مباشرة لكلمة “الجبر”، وهو العلم الذي وضع أسسه العالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي، الذي اشتقت البرتغالية من اسمه أيضاً كلمة “Algarismo” بمعنى الرقم أو الرمز العددي. وحتى كلمة “Algorithm” الإنجليزية الشهيرة تعود إلى الاسم اللاتيني للخوارزمي. كما أن مفهوم “الصفر” الذي أحدث ثورة في الرياضيات العالمية انتقل إلى أوروبا عبر العلماء المسلمين، وأصبح أساس النظام العددي الحديث، لتولد منه كلمة “Zero” في اللغات الأوروبية بعد رحلة لغوية طويلة بدأت من العربية “صِفْر”.
ولا يقتصر الأثر العربي على الكلمات اليومية، بل يمتد إلى أسماء المدن والقرى والأنهار والجبال. فإقليم “Algarve”، أشهر مناطق البرتغال السياحية، يحمل اسمه من العربية “الغرب”، لأنه كان يمثل أقصى الغرب الإسلامي في ذلك العصر. وحي “Alfama” التاريخي في العاصمة لشبونة يعود اسمه إلى “الحامة”، أي الينابيع الحارة. كما تنتشر في البرتغال مئات القرى والأماكن التي تبدأ بالمقطع “Al”، وهو في كثير من الحالات بقايا أداة التعريف العربية التي اندمجت في أسماء المواقع منذ أكثر من ألف عام.
ومن المفارقات التاريخية اللافتة أن بعض أكثر الكلمات استخداماً في الجانب الروحي والعاطفي لدى البرتغاليين ذات أصل عربي أيضاً. فكلمة “Oxalá” التي ينطقها البرتغاليون بمعنى “ليت” أو “أتمنى” أو “آمل”، تعود في أصلها إلى العبارة العربية “إن شاء الله”. ورغم مرور قرون على انتهاء الحكم الإسلامي، بقي هذا التعبير حياً في اللغة البرتغالية، يستخدمه الناس يومياً دون أن يدرك كثير منهم أن جذوره تمتد إلى الثقافة الإسلامية. كذلك تُستخدم كلمة “Até” بمعنى “حتى”، وهي من الكلمات التي يرى عدد من الباحثين أنها تأثرت بالعربية، وإن كان أصلها محل نقاش بين اللغويين.
ومن أغرب المفارقات أن أشهر موقع ديني كاثوليكي في البرتغال يحمل اسم “فاطمة”. فمدينة فاطمة، التي يقصدها ملايين الحجاج المسيحيين سنوياً بسبب أحداث الظهورات المريمية وفق العقيدة الكاثوليكية، تحمل اسماً عربياً خالصاً. ويرجح المؤرخون أن الاسم يعود إلى أميرة مسلمة أو إلى التسمية العربية التي بقيت في المنطقة بعد انتهاء الحكم الإسلامي، قبل أن تكتسب المدينة مكانتها الدينية اللاحقة في التاريخ الكاثوليكي.
إن التأثير العربي في البرتغالية لا يقتصر على بضع عشرات من الكلمات، بل يمثل طبقة كاملة من تاريخ اللغة، تشهد على عصر كانت فيه الأندلس منارة للعلم والمعرفة، وكانت قرطبة وإشبيلية وغرناطة وماردة ومناطق الغرب الإسلامي مراكز عالمية يقصدها طلاب العلم من مختلف أنحاء أوروبا. ومن هناك انتقلت الكتب، والأرقام، والخرائط، والأدوات العلمية، والمصطلحات الطبية، والمفاهيم الفلسفية، ومعها انتقلت اللغة العربية بوصفها لغة الحضارة في ذلك العصر.
لقد سقطت الدول، وتبدلت الرايات، وتغيرت الحدود، لكن الكلمات رفضت الرحيل. فهي أكثر صلابة من الجيوش، وأطول عمراً من القلاع، لأنها تستقر في ذاكرة الشعوب قبل أن تستقر في قواميسها. واليوم، عندما يطلب البرتغالي وسادة لينام عليها، أو يشتري السكر والأرز وزيت الزيتون، أو يتحدث عن الجبر والأرقام، أو يقول “أوشالا” متمنياً حدوث أمر ما، فإنه يردد بصوتٍ هادئ صدى لغة الضاد، دون أن يشعر بأنه يستحضر في كل جملة جزءاً من حضارة عربية وإسلامية امتدت جذورها في أوروبا لقرون طويلة، وتركت أثراً لم تستطع الحروب ولا تغير الأزمنة أن تمحوه من ذاكرة التاريخ.

