بقلم: الكاتبة آمال مطر
في زمنٍ أصبحت فيه المصالح لغةً يتحدث بها كثير من الناس يبقى العمل التطوعي لغةً أخرى لا يفهمها إلا أصحاب القلوب الكبيرة أولئك الذين يزرعون الخير في الطرقات دون أن ينتظروا من أحدٍ شكرًا أو ثناءً ويغرسون البسمة في وجوه الآخرين وهم يدركون أن أعظم المكاسب ليست ما يدخل الجيب بل ما يدخل القلب.
فالعمل التطوعي ليس ساعاتٍ تُسجَّل في منصة ولا شهاداتٍ تُعلَّق على الجدران ولا صورًا تُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي بل هو رسالة إنسانية سامية تُترجم معاني الرحمة والتكافل والتعاون إلى أفعالٍ حقيقية تلامس حياة الناس.
وقد حثَّ الإسلام على البذل والعطاء وجعل خدمة الناس من أجلِّ القربات قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وقال سبحانه:
﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.
وجاء في الحديث الشريف أن النبي ﷺ قال:
«أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس».
فيا لها من منزلة عظيمة أن يكون الإنسان نافعًا لمجتمعه باعثًا للأمل في نفوس الآخرين ومساهمًا في تخفيف معاناتهم.
إن التطوع لا يغير حياة المحتاجين فحسب بل يغير حياة المتطوع نفسه أيضًا. فكل ساعة يقضيها في خدمة الآخرين تبني داخله مهارة وتصنع في نفسه ثقة وتمنحه شعورًا عميقًا بالرضا والسعادة.
ولعل أجمل ما يشعر به المتطوع هو تلك اللحظة التي يرى فيها أثر جهده في عين يتيمٍ ابتسم أو مريضٍ ارتاح أو أسرةٍ فرحت أو مجتمعٍ استفاد. عندها يدرك أن السعادة الحقيقية ليست فيما نأخذ بل فيما نعطي وأن أجمل اللحظات ليست تلك التي نحقق فيها مكسبًا لأنفسنا بل تلك التي نكون فيها سببًا في إسعاد الآخرين.
وقد أثبتت التجارب أن كثيرًا من المتطوعين يعيشون شعورًا متجددًا بالإنجاز والانتماء لأنهم يشعرون أنهم جزء من صناعة الخير وأن لهم بصمةً في بناء أوطانهم وخدمة مجتمعاتهم.
ولذلك لم تعد المجتمعات المتقدمة تنظر إلى التطوع على أنه عملٌ هامشي بل جعلته شريكًا أساسيًا في التنمية وأحد المؤشرات المهمة على وعي المجتمع وحيويته. فالمتطوعون يساندون الجهات الحكوميةويدعمون الجمعيات والمؤسسات ويساهمون في معالجة كثير من القضايا الاجتماعية والإنسانية.
كما أن للمؤسسات والجمعيات دورًا كبيرًا في نشر ثقافة التطوع من خلال توفير الفرص المناسبة وتأهيل المتطوعين وتدريبهم وتحفيز الشباب على الانخراط في المبادرات المجتمعية التي تنمي مهاراتهم وتستثمر طاقاتهم وتوجهها نحو خدمة الوطن والإنسان.
ورغم ما يواجهه العمل التطوعي من تحديات كضعف الوعي بأهميته أو ضيق الوقت لدى البعض أو الحاجة إلى مزيد من التنظيم والتخطيط إلا أن هذه التحديات لا تقف أمام إرادة أصحاب الهمم العالية الذين يؤمنون بأن خدمة المجتمع مسؤولية أخلاقية ووطنية وإنسانية.
ومن أجمل ما قيل في العطاء:
أحسنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهمُ
فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
فالإحسان لا يضيع والخير لا يذهب سدى وما يزرعه الإنسان في قلوب الناس يعود إليه أضعافًا في صورة محبةٍ ودعاءٍ وأثرٍ طيبٍ يبقى بعد رحيله.
إن المجتمع الذي يكثر فيه المتطوعون هو مجتمعٌ يزداد تماسكًا وقوةً وأمنًا وسعادة لأن أفراده لا يعيشون لأنفسهم فقط بل يحملون همَّ الآخرين ويسعون إلى صناعة الأثر الإيجابي في كل مكان.
وفي الختام فإن العمل التطوعي ليس مجرد عملٍ خيري يُؤدَّى عند الفراغ بل هو استثمارٌ عظيم في الإنسان والمجتمع، ومدرسة تُعلِّم العطاء وميدانٌ تُصنع فيه القيم وجسرٌ يصل القلوب ببعضها البعض.
فلنجعل التطوع أسلوب حياة، ولنمنح أوطاننا شيئًا من أوقاتنا وجهودنا فالأوطان العظيمة لا يبنيها المتفرجون بل يبنيها أولئك الذين يؤمنون أن أجمل أثرٍ يتركه الإنسان بعد رحيله هو الخير الذي زرعه في حياة الآخرين وأن السعادة الحقيقية ليست فيما نملك بل فيما نقدمه للناس من خيرٍ وعطاء.
فالمتطوع لا يمنح المجتمع جزءًا من وقته فحسب بل يمنحه جزءًا من قلبه ولذلك يعود إليه الشعور بالرضا مضاعفًا ويظل أثره باقيًا في النفوس شاهداً على أن أجمل البشر هم أولئك الذين جعلوا من العطاء رسالةومن خدمة الناس طريقًا إلى السعادة.

