✍️محمد فريح الحارثي
لواء متقاعد
ثمة دَينٌ في عنق كل واحدٍ منا لا يسقطه مرور الأيام، ولا يمحوه غياب الأجداد تحت ثرى الأرض. نحن لا نأتي إلى هذه الدنيا من فراغ، بل نحن امتداد لسلسلة من الأرواح التي تعبت، وشقيت، وصبرت؛ آباءٌ وأمهات، وأجدادٌ وجدات، غرسوا فينا الحياة ومضوا. واليوم، بينما نتقلب نحن في نعم الله ونعيش تفاصيل يومنا، يسكنون هم في وحشة القبور، حيث لا حيلة لهم ولا عمل، ينتظرون منا نفحة خير تؤنس وحشتهم، أو دعوة ترفع درجاتهم.
إن حاجة الراحلين إلينا شديدة؛ فالحيّ يملك اليوم أن يزرع، وأن يستغفر، وأن يغير مجرى حياته بكلمة، أما هم فقد أُغلقت صحفهم إلا من نوافذ مضيئة فتحها لهم الرحمن رحمة ومواساة، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
“امتداد الأثر 3 في1”
الجميل في الأمر، والذي قد يغفل عنه الكثيرون، هو أنك تستطيع اليوم —بخطوات بسيطة وبما تجود به نفسك— أن تجمع هذه الثلاثية العظيمة كلها في صحيفة والديك وأجدادك الراحلين:
الولد الصالح الذي يدعو: بمجرد أن يمتلئ قلبك بالرحمة تجاههم وتلهج الألسن بـ “اللهم اغفر لأبي وأمي وأجدادي”، فأنت تجسيد حيّ لذاك “الولد الصالح”. دعاؤك هو نسيم بارد يطرق أبواب قبورهم ليرفع مقاماتهم عند الله.
الصدقة الجارية والعلم المنتفع به: لم يعد الأمر يتطلب أموالاً طائلة أو مشقة في السفر. اليوم، ومن خلال شاشة هاتفك وتطبيقات البنوك الرسمية، تفتح لك الجمعيات الخيرية الموثوقة أبواباً لأوقافٍ تعليمية ومشاريع مستدامة. حين تساهم بسهم وقفي لصالح جمعية تنشر العلم أو تبني وعياً، فإنك تقدم صدقة جارية يدوم أثرها، وتدعم في الوقت ذاته علماً يُنتفع به وتتوارثه الأجيال.
“موازين لا تظلم مثقال ذرة”
ربما يتردد البعض ظناً منهم أن المبالغ البسيطة لا تصنع فارقاً، لكن موازين الله جل وعلا دقيقة، لا تغادر نقيرًا ولا قطميرًا أو فتيل، الله يتقبل بالذرة، ويضاعف بفضله الشق من التمرة.
لا تستقلّ ريالا واحداً تضعه في سهم وقفي دوري نيابة عن أمك أو أباك أو أجدادك لوالديك الراحلون؛ فقد يكون هذا الريال عند الله أعظم من جبالٍ من الذهب، لأنه خرج بصدق ويقين في لحظة وفاء.
الأقربون أولى بالمعروف: التفتوا إلى القرى والهجر
حين تفتح تطبيقك البنكي لتتبرع، تذكر دائماً تلك الجمعيات القابعة في القرى النائية والهجر الصغيرة. هذه الجهات غالباً ما تكون بعيدة عن أضواء المدن الكبرى، وبحاجة ماسة لكل دعم يسند مشاريعها ويعين أسرها العفيفة. إن توجيه برك وإحسانك إلى أهل تلك المناطق المحتاجة هو من باب “الأقربون أولى بالمعروف”، وهو أثبت في الأجر وأقرب للقبول بإذن الله.
يا أبناء الأوفياء، ويا بنات البررة..
اجعلوا لآبائكم وأجدادكم سهمًا راتبًا من أموالكم، واجعلوا أسمائهم حاضرة في قنوات الخير. لا تدعوا زحام الحياة ينسيكم أولئك الذين لولا الله ثم هم، لما كنتم في هذه الحياة تنعمون. اجعلوا تطبيقاتكم البنكية شاهداً لكم ولهم، وحولوا العطاءات البسيطة إلى جبال من نور تضيء قبور من تحبون.
ونحن اليوم فوق الأرض وغداً في باطنها، فلنكن أبناءً صالحين يبرّونهم بالخير، لعل الله يكرمنا—بجزاء الإحسان إحساناً—بمن يبرّنا ويدعو لنا بعد وفاتنا.
إنهم ينتظرون.. فلا تبخلوا، وازرعوا اليوم ما تحبون أن تحصدوه غداً.

