بقلم أ. غميص الظهيري :
تُعد مناسبات الزواج من أجمل المناسبات الاجتماعية التي يجتمع فيها الأقارب والأصدقاء والأحبة، فهي ليلة فرح وسعادة، وبداية حياة جديدة، ومظهر من مظاهر التآلف والمحبة بين أفراد المجتمع. وقد عُرف المجتمع السعودي منذ القدم بالكرم والجود وإكرام الضيف، وهي صفات أصيلة نفتخر بها ونعتز بها، إلا أن الكرم إذا تجاوز حد الاعتدال انقلب إلى إسراف لا يقره الشرع ولا يقبله العقل.
وفي السنوات الأخيرة برزت ظاهرة المبالغة في ولائم الزواج، حتى أصبحت بعض المناسبات تشهد ذبح أعداد كبيرة من المواشي تفوق الحاجة الفعلية، وينتهي جزء كبير منها إلى الهدر، في مشهد يتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف الذي نهى عن الإسراف، قال تعالى: “وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”.
ولا يقف الأمر عند كثرة الولائم فحسب، بل يمتد إلى دعوة أعداد هائلة من المدعوين، يتجاوز بعضها الآلاف، رغم أن كثيرًا منهم لا تربطهم بالعريس أو أسرته علاقة مباشرة، مما يؤدي إلى ازدحام شديد في القاعات والطرقات، وصعوبة في التنظيم، وتأخر الضيوف في الدخول والخروج، إضافة إلى ارتفاع التكلفة على أصحاب المناسبة دون تحقيق الفائدة المرجوة.
وأصبح بعض الناس مع الأسف يقيس نجاح الزواج بعدد الذبائح، أو كثرة الحضور، أو حجم الإنفاق، بينما النجاح الحقيقي يكمن في البركة، وحسن التنظيم، وإدخال السرور على الحاضرين، وبدء الحياة الزوجية بعيدًا عن الديون والتكاليف المرهقة.
إن المغالاة في تكاليف الزواج لا تؤثر على أسرة واحدة فحسب، بل تنعكس على المجتمع بأكمله، إذ تدفع بعض الشباب إلى تأخير الزواج سنوات طويلة، أو الاقتراض، أو الدخول في التزامات مالية تثقل كاهلهم في بداية حياتهم، وكل ذلك من أجل مجاراة عادات اجتماعية يمكن تعديلها إذا توافرت الإرادة والوعي.
ومن المؤسف أن كميات كبيرة من الطعام الصالح للأكل تُهدر بعد انتهاء المناسبات، بينما هناك أسر محتاجة تتمنى جزءًا يسيرًا منه. ولو وُجد التنسيق المسبق مع الجمعيات المتخصصة في حفظ النعمة، أو جرى إعداد الطعام وفق أعداد الحضور الفعلية، لأمكن المحافظة على هذه النعمة والاستفادة منها خير استفادة.
وهناك حلول عملية تستحق التشجيع منها نشر ثقافة الاعتدال في الولائم، بحيث يكون عدد الذبائح مناسبًا لعدد الحضور دون مبالغة والاكتفاء بدعوة الأقارب والأرحام والأصدقاء المقربين، مما يمنح المناسبة طابعًا أسريًا أكثر دفئًا وتنظيمًا، والتنسيق مع الجهات المختصة لحفظ فائض الطعام وتوزيعه على المحتاجين وتكريم الأسر التي تقدم نماذج ناجحة في ترشيد تكاليف الزواج، لتكون قدوة لغيرها كذلك توعية الشباب وأولياء الأمور عبر المجالس والندوات ووسائل الإعلام بأهمية التيسير في الزواج وتشجيع إقامة حفلات زواج بسيطة وأنيقة تحقق المقصود دون تكلف أو إسراف.
ومن أبرز المبادرات التي تستحق الدعم والتوسع الزواج الجماعي، الذي أثبت نجاحه في كثير من المجتمعات، حيث يجمع عددًا من الشباب في احتفال واحد، فتتكاتف الجهود، وتتقاسم التكاليف، ويُخفف العبء المالي عن الأسر، ويعزز روح التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع، ويُعين الشباب على إكمال نصف دينهم دون مشقة أو ديون مرهقة.
كما أن للقبائل والعائلات ورجال الأعمال والوجهاء دورًا مهمًا في ترسيخ ثقافة الاعتدال، وذلك من خلال الاتفاق على مواثيق اجتماعية تحد من المبالغة في الولائم، وتشجع على التيسير، لأن العادات الجميلة تبدأ بمبادرات صادقة، ثم تتحول إلى ثقافة عامة يعتز بها الجميع.
إن أجمل الأفراح ليست تلك التي يُنفق فيها أكثر، وإنما التي تحل فيها البركة، ويغادرها الضيف وهو يحمل أجمل الذكريات، ويبدأ فيها العروسان حياتهما باليسر والطمأنينة لا بالأعباء والديون.
وفي الختام، فإن المجتمع الواعي هو الذي يحافظ على قيم الكرم، لكنه يوازن بينها وبين الحكمة والاعتدال، فالكرم لا يُقاس بكثرة الذبائح، ولا بعدد المدعوين، وإنما بحسن الاستقبال، وطيب المعاملة، وصلة الرحم، وشكر النعمة، والمحافظة عليها. وإذا اجتمع الكرم مع الاعتدال، والتيسير مع الفرح، فإننا سنصنع مناسبات أكثر بركة، وأقل تكلفة، وأعظم أثرًا في نفوس الناس، لتبقى أفراحنا عنوانًا للمحبة والتراحم، لا ميدانًا للمباهاة والإسراف.

