بقلم: العصامي رابح زعيط
ليس كل من يكتب الشعر شاعرًا؛ فهناك من ينظم الكلمات، وهناك من يمنحها روحًا تنبض بالحياة. ومن بين الأصوات الشعرية التي جعلت من الكلمة رسالة، ومن القصيدة موقفًا، يبرز اسم محمد مخنن، ابن ولاية أم البواقي، الذي حمل في وجدانه عشق الوطن، وجعل من الشعر مرآةً تعكس هموم الإنسان وآماله.
وتبقى أم البواقي أكثر من مجرد ولاية جزائرية؛ فهي أرض تختزن عبق التاريخ، وتزدان بجمال الطبيعة، حيث تمتد السهول وتتعانق مع الجبال، لتصنع فضاءً ألهم أبناءها قيم الأصالة والوفاء والانتماء. ومن هذا المناخ تشكلت شخصية محمد مخنن، فحمل صفاء الأرض في قلبه، واستمد من صلابة رجالها قوة حضوره الإبداعي والإنساني.
عرفته في ملتقيين أدبيين؛ الأول بمدينة المدية، والثاني بالعاصمة الجزائر. ولم يكن ذلك التعارف عابرًا، بل ترك لدي انطباعًا عميقًا بأنني أمام إنسان يسبق خُلُقه شعره، وتواضعه شهرته. قليل الكلام، واسع الإصغاء، وإذا تحدث انتقى كلماته بعناية شاعر يعرف قيمة الحرف، ويؤمن بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون تعبيرًا.
ومن أكثر ما شد انتباهي فيه تعلقه الكبير بالطبيعة، ولا سيما بجبال الأوراس الشامخة. كان يتحدث عنها بمحبة صادقة، وكأنها جزء من ذاكرته وامتداد لروحه. ففي الجبال يجد السكينة، وفي الغابات يستعيد صفاء الفكر، ومن هدوء الطبيعة يستمد الإلهام الذي ينعكس بوضوح في قصائده، فتأتي مشبعة بروح المكان وعذوبة الإحساس.
غير أن السمة الأبرز في شخصية محمد مخنن، كما عرفتها، هي غيرته الصادقة على الجزائر. فما من قضية تمس الوطن أو المواطن إلا وتجد صداها في وجدانه. يفرح لفرح الجزائر، ويتألم لكل ما يمس أبناءها، ويتفاعل مع قضايا المجتمع بصدق نابع من انتماء راسخ، لا من رغبة في الظهور أو البحث عن الأضواء.
ولذلك جاءت قصائده نابضة بالحياة، بعيدة عن التكلف، قريبة من نبض الشارع وهموم الإنسان البسيط. فهو يؤمن بأن الشاعر ليس متفرجًا على قضايا وطنه، وإنما شاهد عليها، وصوتٌ يدافع عنها بالكلمة الصادقة، ويؤدي رسالته الأدبية والأخلاقية بكل مسؤولية.
وفي زمن أصبحت فيه الكلمة عند البعض وسيلة لتحقيق المصالح، ظل محمد مخنن ينظر إليها باعتبارها أمانة ورسالة. يحترم الشعر ويحترم قارئه، ويؤمن بأن القصيدة التي تفتقد الصدق، مهما بلغت بلاغتها، لا تملك القدرة على البقاء في وجدان الناس.
ولعل هذا ما يفسر مكانته بين الأدباء ومحبي الشعر الشعبي؛ فهو إنسان بسيط في تعامله، صادق في علاقاته، قريب من الناس، محب لرفاقه، مشجع للمواهب الشابة، ومؤمن بأن الثقافة جسر للمحبة والتقارب، لا وسيلة للفرقة والاختلاف.
إن الجزائر اليوم بحاجة إلى مبدعين من طراز محمد مخنن، يحملون الوطن في قلوبهم قبل أن يحملوه في قصائدهم، ويؤمنون بأن الكلمة الصادقة قادرة على بناء الوعي، وغرس الأمل، وصون ذاكرة الشعوب.
وفي ختام هذه الشهادة، لا أكتب عن شاعر فحسب، بل عن إنسان رأيت فيه صدق المشاعر، ووفاءً للأرض التي أنجبته، وإيمانًا راسخًا برسالة الأدب. وأسأل الله أن يوفقه، وأن يبقى صوته الشعري حاضرًا في الساحة الثقافية، وأن تظل قصائده تمتد بين سهول أم البواقي، وشموخ الأوراس، وعشق الجزائر الذي لا تحده حدود.
تحية تقدير ووفاء للشاعر محمد مخنن… شاعر الكلمة الصادقة، وعاشق الجزائر، وابن أم البواقي الوفي.