عبد الله شراحيلي
العارضة-صحيفة صدى نيوز اس
ليس كل صمتٍ عجزًا عن الكلام، ولا كل سكوتٍ ضعفًا في الحجة؛ فهناك صمتٌ يولد من سموِّ النفس، حين تدرك أن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض، وأن بعض الكلمات إذا خرجت لن تزيد الحقيقة إلا ضجيجًا.
إن الإنسان كلما نضج، قلَّت رغبته في الانتصار لكل جدال، وأصبح أكثر ميلًا إلى سلامه الداخلي من انتصاره المؤقت. فيدرك أن الكرامة لا تحتاج إلى صخب، وأن الوقار لا يُثبت نفسه برفع الصوت، وأن الاحترام الحقيقي تفرضه الأخلاق قبل الكلمات.
ما أكثر الذين يتقنون الحديث، وما أقل الذين يُحسنون الصمت. فالكلمة إذا خرجت أصبحت أسيرة صاحبها، أما إذا بقيت في صدره بقي هو سيدها. ولهذا كان الحكماء يزنون الحروف قبل أن ينطقوا بها، لأنهم يعلمون أن جرح اللسان قد يبقى في القلوب أعوامًا، بينما قد يكون الصمت في لحظة الغضب أعظم درجات الحكمة.
ليس الصمت هروبًا دائمًا، بل قد يكون أبلغ ردٍّ على الجهل، وأصدق جوابٍ على الإساءة، وأرفع منزلةً من ألف اعتذارٍ يقال لمن لا يعرف قيمة الاعتذار. فبعض الناس لا يُقنعهم منطق، ولا تُرضيهم حقيقة، وإنما يقتاتون على الخصومات، ويعيشون على إثارة الفوضى؛ وهؤلاء يكفيهم أن تتركهم لأحكام الزمن، فهو أعدل القضاة.
ولعل أجمل ما يملكه الإنسان أن يحفظ لسانه، وأن يجعل كلماته جسورًا للمحبة لا معاول للهدم. فما أكثر القلوب التي أحيتها كلمة، وما أكثر العلاقات التي أنهتها كلمة أخرى قيلت في لحظة انفعال.ك
فاجعل لصمتك هيبة، ولكلامك قيمة، ولا تتحدث إلا إذا كان حديثك أجمل من سكوتك. فالنفوس الراقية لا تُعرف بكثرة ما تقول، بل بعمق ما تتركه في القلوب من أثر، وبجمال حضورها حتى وهي صامتة.

