ـ حسنًا، على الرحب والسعة. هذه الفيلا بكل ما فيها أصبحت تحت تصرفكم، افعلوا ما ترونه مناسبًا، فأنا لا أريد سوى أن تقبضوا على المجرمين بأسرع وقت. وهذه روجينا، مدبرة المنزل، ستكون في خدمتكم إذا احتجتم إلى أي مساعدة.
ابتسمت منى وقالت:
ـ شكرًا لكِ، سيدتي.
ثم التفتت إلى صديقتها ليلي وقالت:
ـ هيا بنا يا كابتن، فما يزال أمامنا عمل طويل.
بدأت الضابطتان بتفتيش أرجاء الفيلا، وقبل أن تصعدا إلى جناح مسيو سام، استوقفت منى مدبرة المنزل.
ـ روجينا… هل تعملين هنا منذ فترة قصيرة؟
ابتسمت روجينا وقالت:
ـ لا يا سيدتي، أنا قديمة جدًا في هذا البيت. كانت والدتي تعمل هنا قبلي، وبعد أن تقدمت في السن توليت أنا عملها.
قالت منى وهي تبتسم:
ـ إذن أنتِ تعرفين مسيو سام جيدًا. أخبرينا عنه… كيف كانت طباعه؟ هل كان بخيلًا؟ لا تقلقي، فنحن نحب الثرثرة أحيانًا، لعل الوقت يمضي أسرع.
تنهدت روجينا، ومسحت دمعة سالت على خدها، ثم قالت:
ـ بالعكس يا سيدتي… كان رجلًا عطوفًا وكريمًا، لكن في الأشهر الأخيرة تغير كثيرًا، وأصبح سريع الغضب، خاصة مع السيدة سارة وزوجها هنري. كان غير راضٍ عن زواجهما منذ البداية، ولولا أن ابنته هددت بالانتحار لما وافق على هذا الزواج.
خفضت صوتها، ونظرت حولها بحذر، ثم أضافت:
ـ بل إنه حاول ذات مرة أن يضربها، لولا تدخل زوجها هنري.
تدخلت ليلي في الحديث وسألت:
ـ من كان آخر شخص قابله مسيو سام قبل مقتله؟
أجابت روجينا:
ـ لم يكن أحد أفراد العائلة، بل كان مسيو مصطفى، مدير مكتبه. نشبت بينهما مشادة عنيفة، ثم خرج مصطفى مسرعًا كأنه يهرب من شيء.
شهقت ليلي وقالت بصوت مرتفع:
ـ مصطفى… زوجي؟!
أجابت روجينا بدهشة:
ـ نعم يا سيدتي. لم أكن أعلم أنه زوجك. لكن أرجوكما، لا تخبرا السيدة سارة أنني قلت هذا الكلام، فقد طلب مني ألا أتحدث عن تلك الليلة.
سألت منى بسرعة:
ـ ومن طلب منك ذلك؟
ـ مسيو هنري.
قطبت ليلي حاجبيها وقالت:
ـ وما علاقة هنري بالأمر؟
قالت روجينا:
ـ صحيح أن مصطفى يعمل لدى مسيو سام، لكنه في الحقيقة الذراع اليمنى لهنري. بل يمكن القول إنه عينه داخل الشركات، وحتى هنا في الفيلا. جميع الموظفين يعرفون ذلك.
سألتها منى باستغراب:
ـ ومن أين لكِ كل هذه التفاصيل؟
ضحكت روجينا وقالت:
ـ من أختي الصغرى. إنها تعمل في إحدى شركات مسيو سام، وكلما التقينا كان حديثنا يدور حول أخبار الشركة وما يحدث في “حدائق سارة”.
ابتسمت منى وقالت:
ـ نعم… إذا أردت أن تعرف أخبار أهل البيت، فاسأل الخدم.
ثم اقتربت منها وقالت:
ـ أخبريني يا روجينا، كيف علمتِ بما جرى بين سام ومصطفى؟
أجابت:
ـ طلب مني مسيو سام أن أحضر له القهوة. وعندما دخلت، وجدته يتشاجر مع مصطفى، الذي كان يقف كالفأر في المصيدة، يردد باستمرار: “سيدي… اغفر لي… سيدي… اغفر لي”، ويتوسل إليه، لكن مسيو سام لم يكن ممن يتسامحون مع من يخطئ في حقهم. بعدها خرجت من الغرفة.
سألتها منى:
ـ وهل عرفتِ سبب اعتذاره؟
هزت روجينا رأسها بالنفي وقالت:
ـ لا يا سيدتي. لكن مسيو سام كان في قمة غضبه، حتى إنه أخذ يحطم كل ما يقع أمامه، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منه أو الحديث معه.
★★★★★
الورقة الرابعة
الخزنة السرية
تبادلت منى وليلي نظرات صامتة، بينما بدأت علامات القلق ترتسم على وجه ليلي.
قالت في سرها:
“لم يخبرني مصطفى شيئًا عن هذه الأحداث… ولا عن تلك الليلة التي غاب فيها عن المنزل، ولم يعد إلا بعد منتصف الليلة التالية. فما علاقته بمقتل سام؟”
جلست للحظات تحاول استيعاب ما سمعته، بينما واصلت منى تفتيش الغرفة.
كانت تطرق بأصابعها طرقات خفيفة على الجدران، حتى توقفت أمام صورة كبيرة للفيلسوف جان بول سارتر. لفت انتباهها أن الجزء الواقع خلف الصورة يبدو غير مستوٍ مقارنة ببقية الجدار.
نزعت الصورة من مكانها، ثم أخذت تطرق بخفة على الحائط. وعندما وصلت إلى منتصفه، تغير الصوت فجأة، فأدركت بخبرتها أن خلف الجدار فراغًا، وأن قطعة من الخشب أخفيت بعناية تحت ورق الجدران لتبدو كأنها جزء من البناء.
ابتسمت بثقة، ثم نزعت جزءًا صغيرًا من ورق الحائط، فظهر تجويف صغير. أدخلت أصابعها فيه وجذبته نحوها.