Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين يشتد ظلام الليل… يولد الأمل

 

الإعلامي /خضران الزهراني

هناك لحظات في حياة الإنسان يقف فيها صامتًا أمام نفسه، لا لأن الكلمات قد نفدت، بل لأن القلب أصبح أعجز من أن يترجم ما يشعر به. لحظاتٌ يطول فيها الليل، ويثقل فيها الصمت، وتصبح الهموم رفيقة الطريق، حتى يظن المرء أن الفجر قد نسي موعده.

في تلك الساعات الهادئة، حين ينام الجميع، ويبقى الإنسان وحيدًا مع أفكاره، تبدأ رحلة التأمل. ينظر إلى السماء وقد ارتدت ثوبها الأسود، فتبدو النجوم بعيدة، ويخيّل إليه أن الكون كله يشاركه هذا السكون العميق. عندها تتزاحم الأسئلة في داخله: هل ستنتهي هذه الأيام الثقيلة؟ وهل سيأتي صباح يحمل معه بداية مختلفة؟ وهل للهموم عمرٌ ينتهي كما ينتهي الليل عند طلوع الفجر؟

أغمضتُ عيني، وأطلقت العنان لحديث النفس، فإذا بي أسمع صوت الأمل يهمس وسط ضجيج الألم: لا تيأس، فما من ليلٍ دام إلى الأبد، وما من شدةٍ إلا كتب الله لها نهاية. عندها أدركت أن الحياة لا تقاس بعدد الأيام السعيدة، بل بقدرتنا على تجاوز الأيام الصعبة، وأن الإنسان الحقيقي هو من يحافظ على إيمانه وأمله وهو يسير وسط العواصف.

إن أعظم ما يمنحه الله لعباده ليس حياةً خالية من الابتلاء، وإنما قلبًا قادرًا على الصبر، ونفسًا مؤمنة بأن خلف كل محنة حكمة، وخلف كل تأخير خير، وخلف كل دمعة رحمة قد لا نراها إلا بعد حين.

لقد رأينا في الحياة من انكسرت قلوبهم ثم جبرها الله، ومن ضاقت بهم السبل ثم فتح لهم أبوابًا لم تخطر ببالهم، ومن ظنوا أن النهاية قد اقتربت، فإذا بالله يكتب لهم بداية أجمل مما تمنوا. وهكذا هي الحياة… لا تستقر على حال، وإنما تتغير بأمر الله، وما بين العسر واليسر لحظات يصنعها الصبر والثقة بالله.

كم من إنسانٍ أخفى وجعه خلف ابتسامة، وكم من روحٍ أنهكها التعب وهي تردد: “الحمد لله”. وليس في ذلك ضعف، بل هو قوة الإيمان، حين يعلم الإنسان أن الله يرى ما لا يراه الناس، ويعلم ما تخفيه الصدور، ويجزي الصابرين بغير حساب.

ولعل أجمل ما نتعلمه من الليل أنه مهما اشتد سواده، فإنه لا يستطيع أن يمنع ميلاد الفجر. وكذلك الأحزان، مهما عظمت، لا تستطيع أن تطفئ نور الرجاء في قلبٍ عرف طريقه إلى الله. فالأمل ليس أمنيةً عابرة، بل هو يقين بأن الله لا يخذل من أحسن الظن به، ولا يترك قلبًا تعلق به صادقًا.

إن الحياة تعلمنا كل يوم أن القوة ليست في ألا نسقط، بل في أن ننهض كلما أسقطتنا الظروف. وأن النجاح ليس غياب العقبات، بل القدرة على تجاوزها. وأن السعادة ليست أن تخلو الحياة من المتاعب، بل أن يبقى القلب مطمئنًا رغمها.

فلنجعل من كل ليلةٍ فرصة لمراجعة أنفسنا، ومن كل دمعة دعاءً، ومن كل وجع درسًا، ومن كل انتظار يقينًا بأن الله يدبر لنا ما هو خير. فربما كان الطريق طويلًا، لكن نهايته أجمل مما نتخيل، وربما تأخر الفرج ليكون أعظم، وربما أخفى الله عنا بعض الأمنيات لأنه ادخر لنا ما هو أفضل.

وفي نهاية المطاف، سيأتي ذلك الصباح الذي يمحو آثار الليل، وتشرق فيه شمس الطمأنينة على القلوب، ويدرك الإنسان أن كل لحظة صبر عاشها لم تذهب سدى، وأن كل دعوة رفعها إلى السماء كانت محفوظة عند الله حتى يحين وقت استجابتها.

فلا تيأس إذا طال الليل، ولا تحزن إذا اشتد الظلام، فإن الذي خلق الفجر قادرٌ أن يخلق في قلبك نورًا، وفي حياتك فرجًا، وفي أيامك سعادةً لم تكن تتوقعها. ثق بالله دائمًا، فبعد كل عتمة إشراقة، وبعد كل ضيق سعة، وبعد كل انكسار جبر، وبعد كل صبر فرج، والله خير الحافظين وأرحم الراحمين.

Exit mobile version