Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين تصغي… يتغير العالم

بقلم / سلافة سمباوه 

كلنا نسمع، لكن قليلين هم الذين يُصغون.

السماع فعلٌ يومي يحدث تلقائيًا، أما الإصغاء فهو حضور كامل للعقل والقلب والحواس. هو أن تمنح من أمامك فرصة حقيقية ليُفهم، لا أن تنتظر دوره في الكلام حتى تبدأ أنت بالرد. فالإصغاء لا يبدأ بالأذن، بل بالنية.

كثير من حواراتنا تتحول إلى ما يشبه حوار الطرشان؛ لا لأن الكلمات غير واضحة، بل لأن كل طرف منشغل بالدفاع عن رأيه أكثر من انشغاله بفهم الآخر. يتحول النقاش إلى ساحة لإثبات الذات، ويصبح الانتصار أهم من الحقيقة، فتغلق منافذ العقل، وتفتح أبواب الأنا.

والحقيقة أن اختلاف الآراء أمر طبيعي، لأن كل إنسان يرى الحياة من زاوية مختلفة، تشكلت عبر طفولته، وتجارب حياته، وثقافته، ومشاعره، وقيمه. لذلك لا يُطلب منا أن نلغي وجهات نظر الآخرين، بل أن نفهم كيف وصلوا إليها. ففهم الإنسان يسبق الحكم عليه.

وترتبط الأفكار بالمشاعر ارتباطًا عميقًا؛ فالقناعات لا تتكون بالعقل وحده، بل تصوغها الخبرات والانفعالات المتراكمة. ولهذا فإن تغيير فكرة ما لا يبدأ غالبًا بمهاجمتها، بل بفهم المشاعر التي تقف خلفها.

كم من مرة أنصتنا لنرد، ولم ننصت لنفهم؟ وكم من مرة انشغلنا بصياغة الجملة التي ستفحم الطرف الآخر، بينما فاتتنا الفكرة التي كان يحاول إيصالها؟ إن الحوار الحقيقي لا يقوم على إسكات الآخرين، بل على اكتشاف ما يمكن أن نتعلمه منهم.

في النقاشات الفكرية لا توجد هزيمة ولا انتصار، بل توجد أفكار تتلاقى، وأخرى تتباين، وثالثة تولد من رحم الاختلاف. وربما كانت فكرة رفضناها اليوم هي ذاتها التي سندافع عنها بعد سنوات، لأننا منحناها يومًا فرصة لتدخل عقولنا.

ولذلك، فإن الحوار ليس معركة، بل فن. يبدأ بالإصغاء قبل الكلام، وبالفهم قبل الحكم، وبالاحترام قبل الاختلاف. فقبل أن تطلب من الآخرين أن يفهموك، امنحهم أنت هذا الحق أولًا.

وأجمل أنواع الإصغاء ليس للآخرين فقط، بل لنفسك أيضًا. أصغِ إلى حوارك الداخلي، إلى صمتك، إلى أنفاس الصباح، إلى خفقات قلبك، وإلى تفاصيل الحياة التي تمر مسرعة فلا ننتبه إليها. فكلما اتسعت قدرتك على الإصغاء، اتسعت رؤيتك للحياة، وارتقى وعيك، وأصبح حضورك أكثر هدوءًا… وأكثر إنسانية.

Exit mobile version