ليست السعادة قصرًا شامخًا، ولا رصيدًا يتضخم، ولا شهرةً تسبق الاسم أينما حلَّ صاحبه. إنها شعورٌ رقيقٌ يولد في أعماق القلب، ثم ينعكس نورًا على الوجه، وطمأنينةً في الروح، ورضًا يملأ الحياة.
يظن كثيرون أن السعادة تقف عند نهاية طريقٍ طويل، فإذا وصلوا إليه وجدوا طريقًا آخر ينتظرهم. وهكذا يمضي العمر في مطاردة سرابٍ لا ينتهي، بينما كانت السعادة تسير بجوارهم في تفاصيلٍ صغيرة لم يلتفتوا إليها؛ في ابتسامة أم، ودعوة أب، وصديقٍ صادق، وصحةٍ معافاة، وفنجان قهوةٍ هادئ، وصباحٍ يفيض بالأمل.
السعادة لا تعني أن تخلو الحياة من الأحزان، فذلك مستحيل، وإنما تعني أن تمتلك قلبًا يعرف كيف يعبر العواصف دون أن يفقد إيمانه بالنور. فكم من إنسانٍ يملك الدنيا ويبيت قلقًا، وكم من آخر لا يملك إلا القليل، لكنه ينام قرير العين، لأن في قلبه كنزًا اسمه الرضا. وقد أشار كثير من المفكرين إلى أن السعادة ترتبط بالرضا والتوازن أكثر من ارتباطها بالمكاسب المادية.
ولعل أجمل ما في السعادة أنها لا تُشترى، ولا تُورث، ولا تُستعار، بل تُصنع كل يوم بحسن الظن بالله، وشكر النعم، والتسامح مع الناس، والإحسان إليهم، والقدرة على أن نغفر، وأن نبدأ من جديد كلما أنهكتنا الحياة.
إن الإنسان السعيد ليس من حصل على كل ما يريد، بل من عرف قيمة ما لديه، وأدرك أن أجمل النعم هي تلك التي اعتاد وجودها حتى كاد ينساها. فمن شكر نعم الله زادت، ومن نظر إلى ما عنده بعين الامتنان، عاش غنيَّ النفس وإن قلَّت الدنيا بين يديه.
وفي نهاية المطاف، تبقى السعادة قرارًا قبل أن تكون ظرفًا، ومنهجًا قبل أن تكون أمنية. إنها أن توقن أن لكل ليلٍ فجرًا، ولكل ضيقٍ فرجًا، وأن الله إذا منح القلب الرضا، فقد منحه أعظم أسباب النعيم.
فابحث عن السعادة في قلبك قبل أن تبحث عنها في الدنيا، فإن القلب إذا امتلأ بالإيمان والرضا، أزهرت الحياة كلها، مهما تبدلت الفصول.