Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين الهمسات والنبضات… ذكرياتٌ لا تُنسى

عبد الله شراحيلي

بين الهمسات التي لا يسمعها إلا القلب، والنبضات التي تحفظ ما عجزت الكلمات عن البوح به، تمتدُّ طرقٌ خفيةٌ تقودنا إلى مدنٍ من الذكريات، لا تُرى بالعيون، بل تُبصرها الأرواح كلما مرَّ بها طيفُ حنين.

فالذكريات ليست صفحاتٍ طواها الزمن، وإنما مواسمُ حياةٍ تظلُّ مزهرةً في أعماقنا، مهما تعاقبت الفصول. يكفي أن يعبر خاطرٌ عابر، أو تفوح رائحةٌ مألوفة، أو يمرَّ لحنٌ قديم، حتى تستيقظ الأعوام دفعةً واحدة، وكأن الزمن لم يمضِ، وكأن الأمس ما زال يجلس على مقربةٍ من القلب.

وليس الحنين انكسارًا كما يظنه البعض، بل هو أصدق وجوه الوفاء؛ وفاءٌ لأيامٍ أشرقت فيها الأرواح قبل الوجوه، ولأماكن احتضنت ضحكاتنا، ولأشخاصٍ عبروا حياتنا تاركين فيها أثرًا لا تمحوه السنون. فبعض البشر يرحلون عن أعيننا، لكنهم يستوطنون الذاكرة إلى الأبد.

وما أجمل الذكريات حين تتحول إلى نورٍ يضيء الطريق، لا إلى ظلالٍ تثقل الخطى. نستمد منها القوة كلما أرهقتنا الحياة، ونوقن أن اللحظات الجميلة لا تموت، بل تعيش فينا، تمنح القلب دفئًا كلما اشتدَّ برد الأيام.

ويبقى في أعماق كل إنسان ركنٌ صامت، لا تبلغه ضوضاء الدنيا، تسكنه الحكايات الصادقة، والابتسامات الأولى، والدموع النبيلة، والدعوات التي خرجت من قلبٍ محب. هناك… حيث تحفظ الروح كنوزها بعيدًا عن عبث الزمن، ندرك أن بعض الذكريات لا تُنسى، لأنها لم تكن مجرد أحداثٍ عابرة، بل كانت جزءًا من تكوين أرواحنا، وكلما مضت الأيام، ازداد بريقها، وأصبح صداها أعمق من أن يخفت، وأبقى من أن يُنسى.

Exit mobile version