Site icon صحيفة صدى نيوز إس

قبل أن تُصدر حكمك… أنصت لنبض الحكاية

 

مزنة بنت سعيد البلوشية

كاتبة عُمانية

ولا تحسبوا أن التسرع في الحكم على الآخرين هيّن، فالكلمة التي تخرج على عجل قد تُسقط في قلب إنسانٍ جبالًا من الصبر، وقد تصنع جرحًا لا تبرئه السنون. فليس كل ما تراه العين حقيقة، وليس كل ما تسمعه الأذن روايةً مكتملة.

إن البشر ليسوا صفحاتٍ مفتوحة تُقرأ من النظرة الأولى، بل هم كتبٌ أخفت الأيام بين سطورها وجعًا، وصبرًا، وأمنياتٍ لم يُكتب لها أن تُولد. لكل إنسانٍ معركةٌ لا يرويها، وليلٌ طويلٌ لا يراه أحد، ودمعةٌ اختارت الكبرياء أن تُخفيها خلف ابتسامةٍ هادئة.

كم من صامتٍ ظُنَّ به الكِبر، وما كان إلا يحارب انكساره بصمت. وكم من مبتسمٍ حسبه الناس سعيدًا، بينما كان يجمع شتات قلبه في الخفاء. وكم من متأخرٍ لامه الجميع، ولم يعلموا أن الحياة كانت تثقل خطاه بما لا يطيق.

إن العدل لا يبدأ بإطلاق الأحكام، بل يبدأ بحسن الظن، وبالتثبت، وبمنح الآخرين حقهم في أن تُسمع حكاياتهم قبل أن تُكتب عليهم الأحكام. فكم من حقيقةٍ غابت خلف ظنونٍ متعجلة، وكم من بريءٍ أثقلته ألسنة الناس قبل أن تُنصفه الأيام.

فتمهّلوا… فإن القلوب ليست ساحاتٍ للتجربة، ولا الأرواح ميادين لأحكامٍ تُلقى بلا روية. ازرعوا الرحمة في كلماتكم، فإنها تعود إليكم يومًا ظلالًا وارفة، واجعلوا الإنصاف خُلقًا يسبق الرأي، فما أجمل الإنسان حين يكون رحيمًا قبل أن يكون ناقدًا.

دعوا لله سرائر عباده، فهو وحده يعلم ما تخفيه الصدور، وما تعجز العيون عن رؤيته. أما نحن، فما خُلقنا لنفتش في النيات، ولا لنزن القلوب بموازين الهوى، وإنما خُلقنا لنعمر الأرض بالمودة، وأن نجعل من أخلاقنا جسورًا تعبر عليها الأرواح إلى الطمأنينة.

وتذكروا أن الأيام دوّارة، وأن المواقف تتبدل، وأن الإنسان قد يقف غدًا في الموضع ذاته الذي وقف فيه من حكم عليهم بالأمس. فطوبى لمن جعل الرحمة رفيقة أحكامه، والعدل نبراس كلماته، والرفق طريقه إلى الناس.

ففي نهاية المطاف، لن يُخلّد الزمن سرعة أحكامنا، بل سيحفظ أثر قلوبنا. وسيبقى أجمل الإرث إنسانًا أنصف، وأحسن الظن، وأدرك أن وراء كل روحٍ قصةً لم تكتمل فصولها، وأن الله وحده هو العليم بخفايا القلوب، وأعدل الحاكمين.

Exit mobile version