Site icon صحيفة صدى نيوز إس

الهياط في المناسبات.. عندما يتحول الكرم إلى مباهاة تُخالف مقاصد الشريعة

الإعلامي/ خضران الزهراني

تُعد المناسبات الاجتماعية، وفي مقدمتها حفلات الزواج، من أجمل مظاهر الفرح والتلاحم وصلة الأرحام، وقد حث الإسلام على إكرام الضيف وإدخال السرور على الناس، وجعل الكرم من شيم الرجال ومكارم الأخلاق. إلا أن ما يُلاحظ في بعض المناسبات من مظاهر الهياط والتفاخر والمبالغة في الاستعراض، أصبح ظاهرة تستحق الوقوف عندها، لما تتركه من آثار اجتماعية واقتصادية وسلوكية لا تنسجم مع تعاليم ديننا الحنيف.

لقد أصبح البعض يتنافس في المظاهر أكثر من تنافسه في الأخلاق، فتُقام الولائم الضخمة بقصد الشهرة، وتُهدر كميات كبيرة من الطعام، وتُزين الموائد بالأموال، وتُسكب العطور والعود الثمين على الأطعمة، وتُستعرض السيارات الفارهة، بل ويصل الأمر في بعض المناسبات إلى إدخال الإبل إلى محيط قاعات الأفراح أو داخلها بقصد إبهار الحضور واستعراض المكانة الاجتماعية، وهي ممارسات إذا كان مقصدها المباهاة والتفاخر، فإنها تُخالف روح الاعتدال التي دعا إليها الإسلام، وقد تُعرّض الحضور لمخاطر أو تُسبب إزعاجًا، فضلًا عن مخالفة الأنظمة إن وجدت.

إن الرجولة الحقيقية ليست في كثرة المظاهر، ولا في حجم الإنفاق، ولا في لفت الأنظار، وإنما في حسن الخلق، والتواضع، وحفظ النعمة، واحترام الآخرين. فالكرم خلقٌ عظيم إذا كان ابتغاء وجه الله، أما إذا تحول إلى وسيلة للتفاخر وإثبات الوجاهة، فقد خرج عن مقصده الشريف.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، وقال النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فهذه النصوص العظيمة تؤكد أن الإسلام دعا إلى التواضع والاعتدال، ونهى عن الكبر والإسراف والخيلاء.

ومن المؤسف أن بعض هذه التصرفات تُبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فيُنظر إليها على أنها رمزٌ للفخر والرجولة، بينما هي في حقيقتها قد تدفع الآخرين إلى التقليد والتكلف والاستدانة لمجاراة المظاهر، فتتحول المناسبات من أفراح تجمع القلوب إلى منافسات تستنزف الأموال وتُرهق الأسر.

ولا ينبغي أن نخلط بين الكرم الأصيل الذي عُرف به أبناء هذا الوطن، وبين الهياط الذي يقوم على الاستعراض والمباهاة. فالكرم هو إكرام الضيف بما تيسر دون إسراف أو تكلف، أما الهياط فهو التفاخر بالمظاهر والإنفاق بقصد لفت الأنظار ونيل الإعجاب.

ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو الجميع إلى تقوى الله، والمحافظة على نعمه، والاقتداء بهدي نبينا ﷺ في الاعتدال، وأن تكون مناسباتنا عنوانًا للمحبة والبساطة، لا ميدانًا للمفاخرة. كما نأمل من الجهات المختصة مواصلة جهودها في التوعية، وتطبيق الأنظمة بحق أي ممارسات تُخل بالأمن أو السلامة أو تؤدي إلى هدر النعم أو مخالفة التعليمات.

فلنتقِ الله في أفراحنا، ولنجعلها شاهدةً على أخلاقنا لا على مظاهرنا؛ فالرجولة تُعرف بالأدب والتواضع، لا بالهياط والاستعراض، والكرم الحقيقي ما كان خالصًا لله، بعيدًا عن الرياء والمباهاة.

Exit mobile version