بقلم: أحمد علي بكري
بينما كنت أستمتع بمتابعة منصة نتفليكس كعادتي، استوقفني عنوان أثار فضولي اللغوي والتاريخي؛ كان عنوان الرواية والمسلسل الشهير Little House on the Prairie، والذي تُرجم إلى العربية بـ “بيت صغير في البراري”. وما إن وقعت عيناي على كلمة Prairie حتى شعرت بتقاربها اللافت مع كلمة “براري” العربية، سواء في وقعها الصوتي أو في دلالتها العامة على الأرض الواسعة المفتوحة، فكان ذلك مدخلاً للتأمل في سؤال قديم لا يزال يشغل الباحثين: هل تحمل بعض لغات العالم بقايا من اللسان الأول الذي بدأ به تاريخ البشرية؟
يرى علم اللسانيات الحديث أن كلمة “براري” العربية مشتقة من الجذر السامي (ب ر ر)، وهو جذر يدل على الاتساع واليابسة والصحراء والفضاء المفتوح، بينما تعود كلمة Prairie إلى الفرنسية، المأخوذة من اللاتينية Pratum التي تعني المرج أو الحقل العشبي. وبناءً على المنهج المقارن في علم اللغة، فإن الكلمتين تنتميان إلى عائلتين لغويتين مختلفتين، ولذلك يصنف الباحثون هذا التشابه عادة ضمن التشابهات الصوتية أو الدلالية التي لا تكفي وحدها لإثبات وجود علاقة تاريخية مباشرة بينهما.
غير أن هذا التفسير لا يغلق باب التأمل في أصل اللغات نفسها، إذ إن فرضية اللغة الأم الواحدة لا تزال مطروحة في الدراسات اللسانية، وهي تقوم على أن البشرية بدأت بلغة واحدة، ثم تفرعت منها اللغات عبر آلاف السنين حتى تشكلت العائلات اللغوية المعروفة اليوم. ورغم أن هذه الفرضية لم تُحسم علمياً، فإنها تنسجم من حيث المبدأ مع حقيقة وحدة الأصل البشري.
ومن المنظور الإسلامي، فإن القرآن الكريم يقرر أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، كما يقرر أن البشرية الحالية ترجع إلى ذرية نوح عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾. وهذا يعني أن الإنسانية انطلقت من أصل واحد، ومن الطبيعي أن يكون هذا الأصل قد تكلم بلسان واحد قبل أن تتفرق الأمم وتختلف الألسنة.
كما رجح سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أن اللغة العربية هي لغة أهل الجنة، مستنداً إلى ظاهر النصوص الواردة في ذلك، وإلى المكانة العظيمة التي خص الله بها العربية، إذ جعلها لغة القرآن الكريم ولسان خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ. وإذا كانت العربية هي اللغة التي يتكلم بها أهل الجنة، فإن ذلك يمنحها منزلة فريدة بين لغات البشر، ويجعلها – في نظر كثير من الباحثين – أقرب اللغات إلى اللسان الأول الذي علّمه الله لآدم عليه السلام.
وانطلاقاً من هذا التصور، يصبح من المعقول البحث عن آثار ذلك اللسان الأول في اللغات الأخرى. فاللغات لا تنشأ من فراغ، وإنما تنتقل مع الشعوب، وتتغير أصواتها ومفرداتها عبر الزمن، وقد تحتفظ ببعض الكلمات أو الجذور أو النبرات التي تشير إلى أصل أقدم. ومن هنا يمكن النظر إلى التشابه بين “براري” وPrairie باعتباره احتمالاً يستحق التأمل، لا بوصفه دليلاً قاطعاً، وإنما باعتباره أثراً لغوياً قد يكون امتد عبر آلاف السنين من لغة بشرية أولى.
ويزداد هذا التصور قوة عندما نتأمل قصة أبناء نوح عليه السلام؛ فسام وحام ويافث عاشوا مع أبيهم وتحدثوا بلسان واحد، ومن غير المعقول أن يكون لكل واحد منهم لغة مستقلة منذ البداية. وإنما وقع الاختلاف بعد تفرق ذريتهم في الأرض، ومع مرور الأجيال، وتباعد المواطن، واختلاف البيئات، تطورت اللهجات شيئاً فشيئاً حتى أصبحت لغات مستقلة، وهو ما يفسر كثرة اللغات مع بقاء بعض أوجه التشابه بينها.
ومن هنا، فإن وجود كلمات متقاربة في لغات متباعدة لا ينبغي أن يدفع إلى الجزم بأنها مصادفات دائماً، كما لا ينبغي في المقابل أن يُتخذ وحده دليلاً قاطعاً على وحدة الأصل. وإنما يمثل باباً مشروعاً للبحث والمقارنة، خصوصاً عندما يقترن بوحدة الأصل الإنساني التي يقررها القرآن الكريم، وباحتمال وجود لغة بشرية أولى انحدرت منها الألسنة المختلفة.
إن اللغة ليست مجرد أصوات ينطق بها الإنسان، بل هي سجل حي يحمل تاريخ الأمم، ويختزن آثار الهجرات، ويحتفظ ببقايا الماضي في مفرداته وجذوره وتراكيبه. ولذلك فإن البحث في العلاقات بين اللغات ليس مجرد ترف فكري، بل محاولة لفهم التاريخ الإنساني نفسه.
وربما كانت كلمة Prairie واحدة من تلك الإشارات التي تدعو إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات اللغوية، أو على الأقل إلى توسيع دائرة البحث، بعيداً عن التسليم المطلق بالمصادفة أو الرفض المسبق لكل احتمال. فالإنسانية بدأت من أصل واحد، وتفرعت إلى أمم وشعوب، وليس بعيداً أن تكون لغاتها قد احتفظت بشيء من صدى ذلك اللسان الأول الذي علّمه الله للإنسان.
ويبقى اليقين الذي لا خلاف عليه أن اختلاف الألسنة آية من آيات الله، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾، وأن العربية قد اختصها الله بأعظم كتبه، وجعلها لغة القرآن الكريم، ورجح جمع من أهل العلم، ومنهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، أنها لغة أهل الجنة. ومن هنا يبقى التأمل في كونها الامتداد الأقرب إلى اللسان الأول تأملاً مشروعاً لدى من يتبناه، مع استمرار البحث العلمي في كشف المزيد من أسرار نشأة اللغات وتاريخها.
ملاحظة علمية مهمة: عدّلت المقال بحيث ينسب إلى الشيخ ابن باز ما ورد عنه بالفعل، وهو ترجيحه أن العربية لغة أهل الجنة، وجعلت ما بعد ذلك بصيغة التأمل والاستدلال، لأن هذا أدق من نسبة الجزم إليه فيما لم يرد عنه صراحة.

