Site icon صحيفة صدى نيوز إس

إنجاز طبي سعودي يسجل سابقة علمية في الشرق الأوسط.. الكشف عن أول حالة للنمط الدموي النادر جدًا (– – D)

 

بقلم: أحمد علي بكري

في إنجاز طبي وعلمي يعكس التقدم المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية في مجالات الطب التخصصي والبحث العلمي، نجح فريق طبي وبحثي سعودي مشترك من تجمع جازان الصحي وتجمع الطائف الصحي، بإشراف الاستشاري الدكتور ميمون بن محمد مدخلي، في الكشف والتوصيف المصلي والجزيئي لأول حالة موثقة في المملكة العربية السعودية والشرق الأوسط للنمط الدموي النادر جداً (– – D)، أحد أندر الأنماط الدموية المسجلة عالمياً ضمن نظام مستضدات الرايزيس (Rh)، في خطوة تُعد إضافة نوعية إلى المعرفة الطبية العالمية، وتعزز من مكانة المملكة في مجال طب نقل الدم والوراثة المناعية.

وبدأت قصة هذا الاكتشاف من موقف إنساني بسيط، عندما بادر أحد المواطنين السعوديين بالتبرع بدمه في مجمع الملك فيصل الطبي بمحافظة الطائف. وخلال الفحوصات المخبرية الروتينية التي تسبق اعتماد وحدات الدم، لاحظ المختصون وجود نتائج مصلية غير مألوفة لا تتوافق مع الأنماط الدموية المعروفة، الأمر الذي استدعى إجراء المزيد من الفحوصات الدقيقة للتحقق من طبيعة الحالة، لتبدأ بعدها رحلة بحثية قادت إلى اكتشاف علمي غير مسبوق.

ونُقلت العينة إلى بنك الدم الإقليمي بمنطقة جازان، أحد المراكز المرجعية المتخصصة في تشخيص الفصائل الدموية النادرة، حيث أخضعها الفريق المختص لسلسلة من الاختبارات المصلية والجزيئية المتقدمة، مستخدماً أحدث التقنيات المخبرية في تحليل مستضدات نظام الرايزيس ودراسة الجينات المرتبطة بها. وبعد مراحل متعددة من الفحص والتحقق، أكدت النتائج أن المتبرع يحمل النمط الدموي النادر جداً (– – D)، وهو نمط لم يسبق تسجيله أو توثيقه علمياً في المملكة أو في أي دولة من دول الشرق الأوسط وفق ما أظهرته مراجعة الأدبيات الطبية العالمية.

ويُعد نظام الرايزيس (Rh) من أكثر أنظمة فصائل الدم تعقيداً وأهمية في طب نقل الدم، إذ يضم مجموعة من المستضدات الرئيسة، أبرزها D وC وc وE وe، والتي تحدد مدى توافق الدم بين المتبرعين والمرضى. وتكمن فرادة النمط المكتشف في وجود المستضد D بصورة كاملة على سطح خلايا الدم الحمراء، مقابل الغياب التام لجميع المستضدات الأخرى التابعة للنظام، وهي تركيبة مناعية نادرة للغاية تجعل حاملها من أصحاب أندر الفصائل الدموية المعروفة عالمياً.

وتفرض هذه الخصوصية تحديات كبيرة أمام الممارسين في مجال نقل الدم، إذ لا يستطيع حامل هذا النمط استقبال الدم إلا من متبرع يحمل التركيب المناعي نفسه، لأن أي اختلاف قد يؤدي إلى تكوين أجسام مضادة تهاجم خلايا الدم المنقولة، وهو ما قد يتسبب في مضاعفات مناعية خطيرة قد تهدد حياة المريض، خاصة في حالات الطوارئ أو العمليات الجراحية الكبرى أو النزيف الحاد. ولهذا السبب تحرص الدول المتقدمة على إنشاء سجلات وطنية ودولية خاصة بالمتبرعين ذوي الفصائل النادرة لضمان سرعة الوصول إليهم عند الحاجة.

وأوضحت الدراسة أن هذا النمط الاستثنائي ينتج عن طفرات وراثية نادرة تؤدي إلى حذف أو تعطيل الجينات المسؤولة عن إنتاج المستضدات C وc وE وe، مع بقاء الجين المسؤول عن إنتاج المستضد D سليماً وفعالاً. ويمنح هذا الاكتشاف الباحثين فرصة ثمينة لفهم التنوع الجيني في المجتمعات العربية بصورة أدق، كما يثري قواعد البيانات العالمية الخاصة بالفصائل الدموية النادرة، ويفتح آفاقاً جديدة أمام الدراسات المستقبلية في مجالات الوراثة المناعية والطب الدقيق.

ولم تتوقف أهمية الإنجاز عند حدود الاكتشاف العلمي، بل امتدت إلى تعزيز سلامة نقل الدم داخل المملكة، ودعم برامج الكشف المبكر عن الفصائل النادرة، ورفع جاهزية بنوك الدم للتعامل مع الحالات الاستثنائية، إلى جانب توفير قاعدة علمية تسهم في بناء سجل وطني للمتبرعين ذوي الفصائل الدموية النادرة، بما يضمن سرعة الاستجابة الطبية في الحالات الحرجة ويعزز جودة الرعاية الصحية.

وتُوج هذا العمل البحثي بنشر الدراسة العلمية في مجلة دولية محكمة متخصصة في طب نقل الدم تحت عنوان “الكشف والتوصيف الجزيئي الأول للنمط الدموي النادر (– – D) لدى متبرع بالدم في المملكة العربية السعودية”، وهو ما يمنح هذا الإنجاز اعترافاً علمياً دولياً، ويؤكد سلامة المنهجية البحثية ودقة النتائج التي توصل إليها الفريق السعودي.

كما أكدت الدراسة، بعد مراجعة شاملة للأبحاث والسجلات الطبية المنشورة، عدم وجود أي توثيق سابق لهذه الحالة في المملكة العربية السعودية أو في منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل هذا الاكتشاف أول مرجع علمي موثق لهذا النمط الدموي على مستوى المنطقة، ويضيف بعداً جديداً إلى الدراسات العالمية المتعلقة بالتنوع الوراثي وفصائل الدم النادرة.

ويجسد هذا الإنجاز نموذجاً ناجحاً للتكامل بين المؤسسات الصحية السعودية، حيث أسهم التعاون بين تجمع جازان الصحي وتجمع الطائف الصحي في توظيف الخبرات الوطنية والإمكانات التقنية المتقدمة للوصول إلى هذا الاكتشاف، في صورة تعكس ما بلغته المملكة من تطور في البنية البحثية والمخبرية، وقدرتها على إنتاج أبحاث ذات قيمة علمية عالمية.

من جانبه، أعرب المشرف العلمي على الفريق، الدكتور ميمون بن محمد مدخلي، عن اعتزازه بهذا الإنجاز، مؤكداً أنه ثمرة عمل جماعي وتكامل بين الكفاءات الوطنية في مجالات طب نقل الدم والمناعة والوراثة الجزيئية. كما ثمن جهود جميع أعضاء الفريق البحثي والفني، مشيراً إلى أن هذا النجاح يعكس المستوى المتقدم الذي وصل إليه القطاع الصحي السعودي، وقدرته على تحويل الحالات الطبية النادرة إلى إنجازات علمية تخدم الإنسانية وتدعم مسيرة البحث الطبي.

ويأتي هذا الاكتشاف امتداداً لمسيرة التطور التي يشهدها القطاع الصحي في المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، التي جعلت من الابتكار والبحث العلمي ركيزتين أساسيتين لتطوير الخدمات الصحية، وتعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي وعالمي للتميز في الطب والعلوم الصحية، بما يسهم في الارتقاء بجودة الرعاية الصحية، وتحقيق الأمن الصحي، ودعم الاقتصاد المعرفي القائم على الابتكار والبحث العلمي.

Exit mobile version