الكاتب: عبدالله العطيش
بين هدي الإسلام والعادات الاجتماعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
لقد شرع الإسلام التعزية لتكون بابًا من أبواب التراحم والتكافل بين المسلمين، ومظهرًا من مظاهر الوقوف مع أهل المصاب، وتخفيف آلامهم، ومواساتهم بالكلمة الطيبة والدعاء الصادق. ولم يجعلها الإسلام مناسبة للمباهاة أو التفاخر أو التنافس في المظاهر، بل دعا إلى التيسير ورفع الحرج عن أهل الميت.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. ومن أعظم صور التعاون والأخوة مواساة أهل الميت دون أن يتحول ذلك إلى عبء نفسي أو مالي عليهم.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى التخفيف عن أهل المصاب، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فإنه قد أتاهم ما يشغلهم.» رواه أبو داود والترمذي. وهذا الحديث يبين أن أهل الميت هم من يحتاجون إلى من يعينهم، لا أن يُكلَّفوا بإعداد الضيافة واستقبال الأعداد الكبيرة لساعات طويلة.
وفي واقعنا اليوم، انتشرت بعض العادات التي لا أصل لها في الشرع، فأصبحت بعض مجالس العزاء تستمر لساعات متأخرة، وربما لأيام طويلة، وتمتلئ بالأحاديث الجانبية، والسوالف، والتدخين، والانشغال بأمور الدنيا، حتى يغيب المقصد الحقيقي من التعزية، وهو الدعاء للميت ومواساة أهله.
ولم يرد عن النبي ﷺ نص يلزم أن تكون التعزية في المسجد أو في المقبرة أو في مكان معين، وإنما تكون حيث تتحقق المواساة وتزول المشقة. فالمقصود هو التعزية نفسها، وليس المكان أو المظهر.
كما أن إطالة الجلوس في بيوت العزاء قد ترهق أهل الميت، وتحرمهم من الراحة التي يحتاجون إليها بعد فقد عزيز عليهم. ومن هنا فإن تنظيم أوقات استقبال المعزين يعد من الأمور الحسنة التي تحقق المصلحة، دون مخالفة للشرع.
ومن المقترحات المناسبة أن يكون استقبال المعزين من الساعة الرابعة عصرًا وحتى صلاة العشاء، وهي مدة كافية لمن أراد أداء واجب العزاء، وتمنح أهل المتوفى بقية اليوم للراحة، وقضاء شؤونهم الخاصة، واستقبال أقاربهم المقربين.
ومن المؤسف أن بعض المجالس تتحول إلى تجمعات يغلب عليها الحديث في أمور الدنيا، أو النقاشات الطويلة، أو التدخين، وكأن المناسبة اجتماع اجتماعي لا مجلس عزاء. بينما هدي الإسلام يدعو إلى الاقتصاد في الكلام، والإكثار من الدعاء والاستغفار للميت، ثم الانصراف دون إثقال على أهل المصاب.
وقد قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.» متفق عليه. فالكلمة الطيبة والدعاء الصادق هما خير ما يقدمه المسلم في مثل هذه المواقف.
كما أن التفاخر بكثرة الحضور، أو الإسراف في تجهيز أماكن العزاء، أو المبالغة في الضيافة، كلها أمور تخالف روح الشريعة التي قامت على اليسر ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
إن المجتمع بحاجة إلى مراجعة كثير من العادات التي التصقت بالعزاء، والتمييز بين ما هو من الدين وما هو من العرف. فما وافق الشرع أُخذ به، وما خالف مقاصده فينبغي تركه، لأن خير الهدي هدي محمد ﷺ.
إن احترام مشاعر أهل الميت يكون بتخفيف الأعباء عنهم، وعدم إطالة المكث عندهم، وعدم تكليفهم بما لا يطيقون، مع الإكثار من الدعاء للميت، وسؤال الله له الرحمة والمغفرة، والدعاء لأهله بالصبر والسلوان.
وفي الختام، فإن إصلاح عادات العزاء مسؤولية مشتركة بين أفراد المجتمع، تبدأ بالوعي، ثم بالقدوة الحسنة، ثم بالتعاون على إحياء السنة وترك التكلف والمبالغة. فكلما اقتربنا من هدي النبي ﷺ في أفراحنا وأتراحنا، كان مجتمعنا أكثر تماسكًا ورحمة، وأبعد عن المظاهر التي لا تحقق المقصود من التعزية.
نسأل الله تعالى أن يرحم موتى المسلمين، وأن يغفر لهم، وأن يرزق أهلهم الصبر والاحتساب، وأن يوفقنا جميعًا لاتباع سنة نبينا محمد ﷺ في جميع شؤون حياتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. حفظ الله المملكة وشعبها

