Site icon صحيفة صدى نيوز إس

ويبقى الأثر أجمل من الحضور

الكاتب الصحفي: عبدالله شراحيلي (أبو يحيى)

ليس الفضل في أن يحضر المرء بين الناس، وإنما الفضل كلُّه أن يبقى في قلوبهم بعد أن يغيب. فكم من وجوهٍ ملأت المجالس ثم انطوت مع الأيام كأنها لم تكن، وكم من أرواحٍ رحلت عن الأبصار، لكنها أقامت في الذاكرة مقام النور، لا يخبو وهجه، ولا يذبل أثره.

إن الحضور تقاس ساعاته، أما الأثر فلا يقاس إلا بما غرسه صاحبه من خير، وما تركه من جميل الصنيع، ونبل الخلق، وصدق المواقف. فالكلمة الطيبة قد تعيش عمرًا أطول من قائلها، والموقف الكريم قد يبقى شاهدًا على عظمة صاحبه، وإن واراه الثرى أو باعدت بينه وبين الناس السنون.

وما الحياة إلا قافلةٌ تمضي، يتعاقب عليها الراحلون، فلا يبقى منها إلا ما خطته الأيدي البيضاء، وما أنطقته القلوب الصادقة، وما صنعته النفوس الكبيرة من معروفٍ لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا. فالأثر الطيب هو السيرة التي لا تموت، والذكر الحسن هو العمر الذي يمتد بعد انقضاء الأعمار.

طوبى لمن إذا ذُكر، ذُكر بالخير، وإذا غاب، افتقده الناس قبل مكانه، وإذا مضى، ترك خلفه دعواتٍ صادقة ترفعه إلى السماء، وقلوبًا تلهج له بالمحبة والوفاء. أولئك هم الذين أدركوا أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يمنح، وليست فيما يقول، بل فيما يفعل.

فاجعل لك في كل دربٍ بصمة إحسان، وفي كل قلبٍ ذكرى جميلة، وفي كل لقاءٍ خلقًا كريمًا؛ فإن الأيام تمضي مسرعة، والأسماء يطويها النسيان، ولا يبقى في سجل الحياة إلا أثرٌ طيب، يعبق كالعطر كلما مرَّت عليه السنون.

ويبقى الأثر أجمل من الحضور؛ لأن الحضور ينتهي بانتهاء اللحظة، أما الأثر فيظل حيًا، يتردد صداه في الأرواح، ويزهر في القلوب، ويشهد لصاحبه بأنَّه مرَّ من هنا… فترك الدنيا أجمل مما وجدها. 

Exit mobile version