Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين نستردُّ أنفسنا

 

مزنة بنت سعيد البلوشية

كاتبة عُمانية

نُرهق قلوبنا حين نبحث عن الطمأنينة في صدور الآخرين، كأن الأمان يسكن وجوههم، وننسى أن القلوب تتبدل كما تتبدل الفصول، وأن من كان ملاذًا بالأمس قد يصبح اليوم مجرد ذكرى تعبر بنا دون أن تلتفت.

نمضي خلف من نحب، ونؤجل أنفسنا، ونُغيّر ملامح أرواحنا لننال رضا عابرٍ لن يقيم طويلًا. وما أقسى أن يخسر الإنسان ذاته وهو يحاول أن يحتفظ بغيره. فليس كل من اقترب كُتب له البقاء، وليس كل يدٍ أمسكنا بها خُلقت لترافقنا حتى آخر الطريق.

نمنح الكثير، ونظن أن فيض العطاء يكفي ليُؤجل الرحيل، لكن المحبة لا تُقاس بما نبذله، بل بما يُزرع في القلب من صدق. وما أكثر الأرواح التي أنهكها الانتظار، لأنها تعلقت بأبوابٍ لم يُكتب لها أن تُفتح.

وحين تأتي النهايات، نقف أمامها باكين، غير مدركين أن الله قد يُغلق بابًا رحمةً بنا، وأن بعض الفقد ليس خسارة، بل نجاة من طريقٍ لو اكتمل لأضاع ما تبقى من أرواحنا.

اصغِ إلى ذلك الصوت الخافت في أعماقك… ذلك الذي يدعوك أن تُصالح نفسك، وأن تُرمم ما كسرته الأيام، وأن تجعل قلبك وطنًا لسلامك قبل أن تجعله مأوى لأحد. فمن عرف قيمة نفسه، لم يُهدرها في انتظار من لا يعرف قدرها.

وما هذه الحياة إلا رحلة قصيرة، نعبرها بما نحمله في قلوبنا من يقين. فلا تُثقل روحك بخذلان البشر، ولا تجعل سعادتك رهينة حضور أحد، فكل شيء إلى زوال، ويبقى وجه الله، وتبقى الطمأنينة لمن جعل قلبه متعلقًا بالسماء، لا بما يتغير على الأرض.

Exit mobile version