لا تبدأ العلاقات المؤذية بالكراهية، بل تبدأ غالبًا بالحب.
حب يفيض حتى يتجاوز حدوده، وعطاء لا يعرف التوقف، وتسامح يتحول مع الوقت إلى تنازل، ثم إلى اعتياد، ثم إلى استنزاف لا يشعر به صاحبه إلا بعدما يفقد نفسه.
المشكلة ليست في الحب، وإنما في كل ما يأتي أكثر من اللازم.
عندما يتحول الحب إلى وجع دائم، فنحن نحب أكثر من اللازم.
وعندما نغفر الإساءة مرة بعد أخرى لأننا نؤمن أن الطرف الآخر سيتغير، فنحن نحب أكثر من اللازم.
وعندما نتحول إلى معالجين نفسيين لمن نحب، ونبرر أخطاءه، ونفسر قسوته، ونؤجل احتياجاتنا حتى يتعافى هو، فنحن نحب أكثر من اللازم.
وعندما نختزل الحياة كلها في شخص واحد، ونصبح أسرى لمزاجه، ورسائله، وصمته، وحضوره، فنحن لم نعد نعيش حبًا، بل نعيش تعلقًا.
لكن لماذا يحدث ذلك؟
لأن الإنسان لا يبحث عن الحب وحده، بل يبحث عن الأمان، والانتماء، والشعور بأنه ذو قيمة. والخوف من الوحدة يدفع كثيرين إلى التمسك بعلاقات تؤذيهم أكثر مما تمنحهم.
وتبدأ الحكاية غالبًا في الطفولة. فالطفل الذي لم يشعر بالاحتواء الكافي، أو اعتاد أن يكون الحب مشروطًا، أو تعلم أن الاهتمام لا يأتي إلا بعد المعاناة، يكبر وهو يخلط بين الحب والتعب. فينجذب، دون وعي، إلى الأشخاص الأكثر اضطرابًا، معتقدًا أن دوره هو الإنقاذ والإصلاح.
ومع مرور الوقت، يتحول الشريك إلى مشروع، لا إلى علاقة. يصبح إصلاحه هدفًا، واحتمال أذاه فضيلة، حتى ينسى الإنسان أن الحب مشاركة، لا مهمة علاجية.
ثم يحدث ما هو أخطر.
لا نعود متعلقين بالشخص، بل بالصورة التي صنعناها عنه، وبالأمل الذي علقناه عليه، فنحب النسخة التي نتمنى أن يكونها، ونتجاهل النسخة التي يعاملنا بها كل يوم.
لهذا يصعب الرحيل.
ليس لأن الحب قوي، بل لأن الوهم أصبح أقوى.
الحب الناضج لا يطلب منك أن تتنازل عن قيمك، ولا أن تخسر سلامك النفسي، ولا أن تجعل كرامتك ثمنًا لاستمرار العلاقة. إنه يمنحك الطمأنينة، ويجعلك أكثر اتزانًا، لا أكثر قلقًا.
أما الخلاص، فيبدأ عندما تدرك أن وضع الحدود ليس قسوة، وأن الرحيل عن العلاقة المستنزفة ليس أنانية، وأن محبتك لنفسك لا تقل قيمة عن محبتك للآخر.
فالحب الحقيقي لا يجعلك تخسر نفسك.
وكل حب يسلبك سلامك… هو حب وقع في فخ أكثر من اللازم.