Site icon صحيفة صدى نيوز إس

نادية

 

بقلم: فايل المطاعني الحكواتي

الفصل الرابع

أدخل..

«أدخل..»

هكذا قالت الدكتورة بدرية علي عندما سمعت طرقًا خفيفًا على باب مكتبها.

لم تمضِ سوى ثوانٍ حتى دخل رجل أنيق، تتصاعد من بين أصابع يده اليمنى سحابة دخان من سيجارة فاخرة ذات طرف مدبب. جلس أمامها ثم قال معتذرًا:

ــ أنا آسف يا دكتورة… لقد تأخرت قليلًا وأنا أبحث عن مكتبك، فأشعلت هذه السيجارة لأهدئ أعصابي التي احترقت منذ اتصالك بي.

قالها وهو يتصنع الضحك.

كانت الدكتورة منشغلة بالبحث في درج مكتبها عن أحد الملفات، وما إن عثرت عليه حتى رفعت رأسها وقالت:

ــ أهلًا وسهلًا… ولكن، عذرًا، لم أعرفك.

فقاطعها الضيف على الفور:

ــ معك حق… قلة ذوق مني أنني لم أعرّفك بنفسي. أنا فؤاد سالم… رجل أعمال.

ولما لاحظ أنها ما زالت تنتظر بقية التعريف، قال بصوت حاول أن يبدو ثابتًا:

ــ … زوج نادية.

اتسعت عينا الدكتورة دهشة، ثم حاولت أن تكتم غضبها وقالت:

ــ زوج نادية؟! أليس من المفترض أن تكون بجوارها؟

بل وأن تأتي إليها دون الحاجة إلى استدعائك؟ ليس أنت وحدك، حتى أهلها… أين هم؟

منذ أن دخلت نادية المستشفى قبل ستة أشهر لم نرَ أحدًا منكم.

قالت كلماتها بأسى واضح.

تنهد فؤاد، وشبك أصابع يديه فوق الطاولة وقال:

ــ دكتورة… أنا رجل مشغول، وأنت تعلمين طبيعة رجال الأعمال، أعمالهم لا تنتهي. لكنني جئت الآن لأطمئن على نادية. أخبريني… هل تحسنت حالتها؟

ثم… أنت تعرفين أن من الصعب أن يعلم المجتمع أن زوجتي تتعالج في مستشفى للأمراض النفسية…

وتوقف عن إكمال الجملة.

عاد الهدوء إلى ملامح الدكتورة، وقالت بنبرة مهنية:

ــ يا أستاذ فؤاد، زوجتك تحت الملاحظة منذ ستة أشهر، وحتى الآن لا تظهر عليها أعراض الجنون. إنها مدركة تمامًا لمن حولها، تعرفني، وتعرف الممرضة التي تشرف على علاجها. نعم، لديها اضطراب نفسي، لكنه لا يصل إلى حد الجنون. بل إنني أقترح أن تعود معك إلى المنزل، فربما عندما ترى أبناءها تستعيد توازنها النفسي تدريجيًا.

 

ظل فؤاد ينظر إليها في صمت، يصغي لكل كلمة وكأنه تلميذ يستمع إلى معلمه. وما إن انتهت حتى قال:

 

ــ أولًا، أشكركم على جهودكم في علاج زوجتي. لكن يا دكتورة… إذا كنتِ تقولين إنها ليست مجنونة، فما تفسير ما أراه منها؟ إنها تصر على أنني لست زوجها، وهذا يضعني في مواقف محرجة أمام الناس.

 

ابتسمت الدكتورة ابتسامة خفيفة وقالت:

 

ــ يا أستاذ فؤاد، أنا لم أقل إنها لا تعاني من أعراض نفسية. كل إنسان قد يمر باضطرابات نفسية بدرجات متفاوتة، لكن يمكن السيطرة عليها وعلاجها. وربما عندما تعود إلى بيتها وترى أبناءها تختفي هذه الأعراض شيئًا فشيئًا.

 

ثم سكتت لحظة، وكأن فكرة خطرت في ذهنها، وقالت:

 

ــ لكنها تكرر أمرًا يثير الاستغراب… فهي لا تقول إنها نادية، بل تؤكد أنها أختها. نحن، بطبيعة الحال، لا نصدق ذلك… لكن يبقى السؤال: لماذا تصر على هذا الادعاء؟

 

وقبل أن تكمل، قاطعها فؤاد بسرعة وقال:

 

ــ إنها تتقمص شخصية أختها المتوفاة.

 

/يتبع…

Exit mobile version