بقلم: الإعلامي خضران الزهراني
في زحمة الحياة وتلاطم مشاغلها، ننسى أحيانًا الحقيقة الكبرى التي لا مفر منها؛ حقيقة أننا مجرد عابري سبيل في رحلةٍ مدتها أنفاسٌ معدودة.
بين البداية والنهاية
الدنيا دارُ ممرٍّ لا دارُ مقرّ، والناس فيها رجلان: رجلٌ باع نفسه فأوبقها، ورجلٌ ابتاع نفسه فأعتقها.
ما الحياة إلا رحلةٌ قصيرة، تبدأ بصرخة مولود، وتنتهي بصمت قبر، وبين البداية والنهاية يقف الإنسان ممتحنًا في كل خطوة، يختار طريقه بعمله، ويكتب مصيره بيده. فما أسرع الأيام وهي تمضي، وما أقرب اللحظة التي يُقال فيها: “لقد انتهى الأجل.”
كم من إنسانٍ كان يخطط للغد، ولم يدركه الغد، وكم من قلبٍ امتلأ بالأماني، فسبقه القدر إلى الرحيل. فلا الشباب يدوم، ولا الصحة تبقى، ولا المال يرافق صاحبه، ولا الجاه يمنع الموت، وإنما يبقى العمل الصالح شاهدًا لصاحبه، يرافقه إلى قبره، ويكون أنيسه يوم يقف بين يدي ربه.
التجارة الرابحة والتجارة الخاسرة
إن أعظم خسارةٍ أن يبيع الإنسان نفسه لدنيا زائلة، فيغفل عن آخرته، ويضيع عمره في اللهو والخصومات والشهوات، حتى يكتشف، بعد فوات الأوان، أن ما جمعه قد تركه، وأن ما قدَّمه هو الذي بقي معه.
وفي المقابل، هناك من عرف قيمة نفسه، فصانها بالطاعة، وعمَّر قلبه بالإيمان، وأحسن إلى الناس، وجعل أعماله الخفية أعظم من أعماله الظاهرة، فربح تجارةً لن تبور، وفاز بحياةٍ لا موت بعدها.
وقفة مع النفس
قف مع نفسك لحظة… واسألها: ماذا لو كان هذا اليوم آخر أيامك؟
ماذا سيبقى منك؟ هل ستبقى الأموال؟ أم المناصب؟ أم المظاهر؟
كلا… لن يبقى إلا أثر الخير، وكلمة الصدق، ودمعة التوبة، وسجدةٌ أخلصت فيها لله، ويدٌ امتدت بالعطاء، وقلبٌ لم يحمل حقدًا لأحد.
الدنيا تمضي سريعًا، وأعمارنا تنقص مع كل شروق شمس، فلا تجعلها أكبر همك، ولا تؤجل التوبة، ولا تؤخر فعل الخير؛ فربما لا يأتي الغد الذي تنتظره.
دعاء وخاتمة
اللهم اجعل الدنيا في أيدينا، لا في قلوبنا، وارزقنا حسن الخاتمة، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، واجعل قبورنا روضةً من رياض الجنة، إنك على كل شيء قدير.
اللهم آمين.

