كتب حمد دقدقي
ليست كل الطرق التي نفترق عندها مفروشةً بالكراهية، ولا كل الأبواب التي نغلقها تُوصَد بالغضب. ثمة أبواب يغلقها الوعي حين يستيقظ متأخرًا، بعدما يكتشف القلب أن بعض الرفقة لم تكن إلا ظلالًا عابرة، وأن بعض القرب كان ازدحامًا حول الروح لا سكنًا فيها.
فالإنسان، كلما تقدم به العمر، لم يعد يقيس ثراء حياته بعدد الوجوه التي يعرفها، بل بعدد الأرواح التي تمنحه الطمأنينة. يدرك أن العلاقات ليست غايةً في ذاتها، وإنما بيئةٌ ينمو فيها القلب أو يذبل، وأن أكثر الخسارات مرارة ليست خسارة الآخرين، بل خسارة نفسه وهو يستهلكها في استرضاء من لا يعرفون للوفاء عنوانًا، ولا للمحبة معنى.
كم من شخصٍ عبر حياتنا متشحًا بثوب الود، لكنه كان يخيط في الخفاء أثواب المصلحة. وكم من ابتسامةٍ أشرقت على الوجوه، بينما كانت خلفها عتمة النيات. بعض الناس لا يجيئون إلينا حبًا، بل حاجة، فإذا ارتوت مصالحهم، انحسر المد، وانكشف الرمل عن حقيقةٍ طالما أخفاها الماء. وبعضهم لا يحمل معه إلا ضجيجًا يستوطن أرواح الآخرين، يقتات من صفائهم، ويغادرهم مثقلين بالتعب، خفيفًا من كل مسؤولية.
ولأن النفوس النبيلة تُسيء الظن بنفسها قبل أن تُسيء الظن بغيرها، فإنها تبقى طويلًا تمنح الأعذار، وتزرع الأمل في أرضٍ أنهكها الجفاف، حتى تكتشف، بعد مواسم من الانتظار، أن الأشجار التي لا تضرب جذورها في تربة الوفاء، لن تثمر مهما أغدقنا عليها من ماء القلب.
وحينها فقط، يصبح الابتعاد فعلًا من أفعال البصيرة، لا موقفًا من مواقف الخصومة. فليست الحكمة أن تبقى حيث تُستنزف، ولا النبل أن تمنح عمرك لمن لا يرى فيك إلا محطةً عابرة. الحكمة أن تعرف متى تحفظ ما تبقى من روحك، ومتى تنقذ قلبك قبل أن يتحول إلى أطلالٍ يسكنها الصمت.
إن الحدود التي يرسمها الإنسان حول كرامته ليست أسوارًا للعزلة، بل حدائق للحياة. هي إعلانٌ هادئ بأن الاحترام يبدأ من الداخل، وأن من لا يصون نفسه، لن يستطيع أن يصون محبته للآخرين. فالقرب الحقيقي لا يُقاس بالمسافات، وإنما بما يتركه الإنسان في قلبك من سكينة، وما يزرعه في أيامك من ضوء.
ولعل أجمل ما تمنحه السنون للإنسان أنها تعفيه من معارك الإثبات، ومن إرهاق التبرير، ومن الحاجة إلى أن يكون مقبولًا لدى الجميع. يكتشف أن السلام الداخلي ليس جائزةً يمنحها الآخرون، بل قرارٌ شجاع يتخذه المرء حين يتصالح مع ذاته، ويؤمن أن بعض الغياب أبلغ من الحضور، وأن بعض الصمت أصدق من آلاف الكلمات.
فالأنهار لا تبلغ البحر وهي تحمل كل ما يعترض مجراها، والأشجار لا تستقبل الربيع إلا بعدما تُسقط أوراقها اليابسة، وكذلك الإنسان؛ لا يكتمل نضجه حتى يتخفف من العلاقات التي أرهقت قلبه، ويودعها بطمأنينة العارف، لا بضجيج المنتقم. فالرحيل الذي تصنعه الحكمة لا يورث ندبة، بل يفتح نافذةً يدخل منها هواء الحياة من جديد.
لهذا، لا تعتذر عن مسافةٍ أنقذت بها روحك، ولا تأسف على بابٍ أغلقته لتبقى كرامتك مفتوحة. فليس من واجبك أن تحمل الجميع في قلبك، ولا أن تجعل من نفسك ملاذًا لكل من يستنزفك. يكفي أن تمضي بخطى هادئة، وقلبٍ لا يحمل حقدًا، ونفسٍ تعلم أن أعظم صور الرحمة قد تكون أحيانًا… أن تترك من يؤذيك، وتمضي.
اعتزل ما يؤذيك؛ فبعض المسافات ليست هروبًا من الناس، بل عودةٌ نبيلة إلى نفسك، وبعض الأبواب حين تُغلق خلفك، يفتح الله أمام قلبك أفقًا أرحب، وسلامًا لا تبلغه الضوضاء

