كتبه: دخلف بن أحمد الزهراني
مستشار العلاقات العامة والاتصال
“هيبة السمعة في ميزان الشرع وصفاء النفس”
جرى على ألسنة الناس قديماً المثل الشهير “الصيت ولا الغنى”، تعبيراً عن قيمة الذكر الحسن والسمعة الطيبة، وتقديمها أحياناً على بحبوحة المال وثرواته. وحين نتأمل هذا المثل بعين الفاحص المتأني، نجده يلامس أوتاراً حساسة في الشريعة الإسلامية والأخلاق الاجتماعية، متجاوزاً حدود التراث الشعبي إلى جذور أصيلة من التوجيه الإلهي والنفسي.
أولاً: المنظور الشرعي.. خطورة الادعاء ومحذور الزيف
إذا أريد بالـ “الصيت” الشهرة المذمومة القائمة على الزيف والادعاء، فإن الشريعة الإسلامية تقف منها موقفاً صارماً وحاسماً. فالسمعة الحقيقية تنبع من العمل الصالح والصدق، لا من تقمص أدوار وهمية لخداع المجتمع.
التحذير القرآني من حب المحامد الزائفة:
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم).
هذه الآية الكريمة تمثل رادعاً شرعياً لكل من يسعى إلى بناء صيت وهمي، أو تضخيم صورته أمام الناس بأشياء لم يفعلها.
إن فرح هؤلاء بما أتوا من خداع، وحبهم للثناء باطلاً، يعكسان هشاشة روحية وانحرافاً عن منهج الإخلاص، حيث يُقدّم عرض الدنيا المتمثل في الملق والثناء الكاذب على حقيقة العمل لوجه الله.
التوجيه النبوي في زجر “المتشبع”:
وفي السياق ذاته، يضع النبي صلى الله عليه وسلم ميزاناً أخلاقياً دقيقاً في الحديث الشريف:-
” أنَّ امرأةً جاءَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ لي زَوجًا، ولي ضَرَّةٌ، وإنِّي أتشَبَّعُ مِن زَوجي، أقولُ:
أعطاني كذا، وكساني كذا، وهو كَذِبٌ؟ فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: المُتَشبِّعُ بما لم يُعطَ، كَلابِسِ ثَوبَيْ زُورٍ” رواه مسلم
والمتشبع هو الذي يُظهر للناس أنه صاحب علم، أو غنى، أو فضل، وهو في الحقيقة خاوٍ من ذلك.
وشبهه النبي صلى الله عليه وسلم بمن يلبس ثوبي زور، وهما الثوبان اللذان يلبسهما الفاجر ليظهر في صورة البريء أو التقي زوراً وبهتاناً. هذا التشابه الفاضح يؤكد أن الصيت الذي يُبنى على الباطل ليس إلا غشاً اجتماعياً وخداعاً محرماً.
إذن، الشرع لا يقبل “الصيت” إلا إذا كان صيت صدق وأمانة واستقامة؛ أما صيت التفاخر والزيف فمرفوض تماماً، كرفض الغنى الذي يُجمع بالحرام.
ثانياً: المنظور الاجتماعي والنفسي.. السلام الداخلي ومقصلة التكلف.
وعلى الصعيد الاجتماعي والنفسي، يرتبط هذا المثل ارتباطاً وثيقاً بمفهوم السلام الداخلي والرضا النفسي، وهما غايتان يسعى إليهما الإنسان السوي.
جحيم التكلف واللهاث خلف المظاهر:
حين يكون همّ الإنسان الوحيد هو تكوين “صيت” اجتماعي زائف أو مبالغ فيه (من خلال مجاراة الطبقات، أو التفاخر بما لا يملك) فإنه يدخل في دوامة لا تنتهي من الضغط العصبي والنفسي. فالشخص الذي يعيش ليحظى بإعجاب الآخرين فقط، هو أسير دائم لرأي الناس، يتقلب مع تقلب أهوائهم، ويعيش في قلق مستمر لئلا ينكشف ستره أو يقلّ براقه المزيف. وهنا يفقد الإنسان أعظم نعم الدنيا: السلام الداخلي.
الرضا النفسي في بساطة الحقيقة:
في المقابل، فإن التصالح مع النفس، وقبول العيش بحقيقة الواقع دون بهرجة أو ادعاء، يمنح المرء طمأنينة عميقة.
ولايتعارض ذلك أبدا مع السعي للترقي والتطوير المستمر لكل جوانبه
ففي الحديث الشريف:-
“المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ وفي كلٍ خيرٌ” رواه مسلم

