Site icon صحيفة صدى نيوز إس

قراءة نقدية في أعمال الفنان التشكيلي الدولي سامي الجفري

بقلم : المهندس محمد صعابنة

تكشف الأعمال المعروضة للفنان سامي الجفري عن قدرة واضحة على إنتاج صورة ذات حضور بصري مباشر، وعن إهتمام متكرر بالإنسان والحيوان والرمز بوصفها عناصر قادرة على حمل الشحنة الشعورية. غير أن أهمية هذه المجموعة لا تكمن في وحدة أسلوبية مكتملة بقدر ما تكمن في تعدد المسارات التي يختبرها الفنان من المشهد الرمزي الداكن إلى البورتريه الحيواني مرورًا بالصورة ذات المرجعية التراثية، وصولًا إلى التكوين شبه التجريدي للمدينة والمراكب.

ومن الضروري منذ البداية التمييز بين هذه الإتجاهات؛ فالأعمال لا تنتمي جميعها إلى الحس التعبيري بالدرجة نفسها، ولا تتعامل مع الشكل بالطريقة ذاتها. بعضها يعتمد على الرمزية السردية المباشرة، كما في صورة الجسد المقيد والحمامة، أو الجسد المواجه لعجلة الساعة، وبعضها أقرب إلى الدراسة التشخيصية التي تبرز مهارة الفنان في تصوير الخيل والصقور، بينما تقوم لوحة المدينة على بناء هندسي ولوني أكثر تحررًا من الوصف الواقعي. لذلك تبدو تجربة سامي الجفري واقفة عند نقطة تقاطع بين الرمزية والتصوير الواقعي والنزعة التعبيرية والزخرفية، أكثر من انتمائها الصريح إلى اتجاه واحد.

في الأعمال الرمزية يختار الفنان مفردات شديدة الوضوح: السلسلة، الحمامة، الساعة والجسد المنهك. وهي رموز راسخة في الذاكرة البصرية؛ فالسلسلة تحيل إلى الأسر والعبء، والحمامة إلى الحرية أو الخلاص، والساعة إلى الزمن والفناء والعجز عن إيقاف حركة الحياة. ينجح الفنان في بناء أثر انفعالي سريع من خلال التضاد بين العتمة والإضاءة، وبين ثقل السلسلة وخفة الطائر، أو بين هشاشة الجسد وضخامة الساعة. كما تساعد الوضعيات المنكمشة وحركة الأيدي الصاعدة على تكثيف الإحساس بالعجز والمقاومة.

لكن قوة هذه الرموز هي في الوقت نفسه موضع محدوديتها. فالمعنى يصل إلى المتلقي منذ اللحظة الأولى، ولا يترك دائمًا مساحة كافية للتأويل أو لاكتشاف مستويات جديدة. في لوحة السلسلة والحمامة، على سبيل المثال، تقوم العلاقة على ثنائية مغلقة نسبيًا: القيد في مقابل الحرية. وفي لوحة الساعة يصبح الصراع بين الإنسان والزمن واضحًا إلى حد يقترب فيه العمل من الصورة التوضيحية أو الملصق الرمزي. ليست المباشرة عيبًا في ذاتها، لكنها تصبح أقل فاعلية عندما تشرح اللوحة فكرتها كاملة بدل أن تترك بعض عناصرها معلقة أو ملتبسة. ويمكن لهذه الأعمال أن تكتسب عمقًا أكبر لو جرى بناء الرمز من داخل العلاقات الشكلية واللونية، لا من خلال الأيقونة المعروفة وحدها.

أما العمل الذي يجمع الرجل والصقر والخط العربي، فيكشف عن اتجاه مختلف يرتبط بصورة الفروسية والوقار والذاكرة التراثية. تقوم اللوحة على تناغم لوني دافئ تهيمن عليه البنيات والذهبيات، وعلى علاقة بصرية بين كتلة الإنسان وكتلة الطائر. وقد أحسن الفنان استخدام الوضع الجانبي للشخصية كي يقود النظر نحو الصقر، بينما تعمل الإضاءة على فصل العنصرين عن الخلفية الداكنة. غير أن الخط العربي يبدو، في الصورة المعروضة، أقرب إلى إضافة زخرفية في الجزء العلوي منه إلى عنصر بنائي يشارك فعليًا في تنظيم التكوين. وستصبح علاقته باللوحة أكثر إقناعًا عندما يندمج إيقاع الحروف واتجاهاتها بصورة أعمق مع حركة الشخصية والطائر، أو عندما يرتبط مضمون النص بدلالة المشهد ارتباطًا لا يمكن الاستغناء عنه.

وتشكل الخيول والصقور محورًا آخر في تجربة الفنان. هنا تظهر عنايته ببناء الرأس والعين والملامح الأساسية، وقدرته على خلق مركز بصري واضح. في الحصان الأزرق لا يعتمد الفنان على المحاكاة الحرفية بقدر اعتماده على ضربات لونية متحركة، خصوصًا في العرف والرقبة. ويمنح الأزرق مع الأبيض والبنفسجي الموضوع طابعًا وجدانيًا يتجاوز اللون الطبيعي للحصان. تبدو هذه اللوحة أكثر حرية من الدراسة الرمادية؛ لأن اللون فيها لا يكتفي بتغطية الشكل، بل يشارك في تحديد طاقته وحركته.

في المقابل، يقدم الحصان الرمادي معالجة منضبطة وقريبة من الدراسة الأكاديمية، مع اهتمام بالنسب والانتقالات الضوئية وملامح الرأس. إلا أن هذا العمل يبدو أقل خصوصية من الناحية الأسلوبية؛ إذ يستطيع المتلقي تقدير المهارة التشخيصية فيه، لكنه لا يعثر بالسهولة نفسها على موقف لوني أو تركيبي يميزه عن دراسات الخيل الواقعية الشائعة. ولذلك فإن القيمة هنا تقنية بالدرجة الأولى، بينما تحتاج البصمة الشخصية إلى تدخل أكبر في طريقة الاختزال أو الحذف أو تشويه النسب المقصود أو معالجة الفراغ.

ويتحقق حضور قوي في لقطة الصقر القريبة بفضل الاقتصاص الحاد، وكبر الرأس، والتركيز على العين والمنقار. يمنح اللون الأزرق العميق مع الأصفر والبني العمل توترًا بصريًا، كما تسهم كثافة التفاصيل في تأكيد صلابة الطائر وقوة حضوره. لكن العناية المفرطة بالتفاصيل قد تدفع الصورة أحيانًا نحو الصقل التوضيحي والزخرفي أكثر من دفعها نحو بناء معنى مركب. فكلما اكتمل الوصف، تقل الحاجة إلى مشاركة خيال المشاهد. ويمكن للفنان أن يختبر في هذا النوع من الأعمال مناطق أقل تحديدًا، أو انتقالات أكثر جرأة بين الريش والخلفية، بحيث لا يبقى الحيوان منفصلًا عنها كموضوع جاهز موضوع فوق سطح محايد.

تبدو لوحة المدينة والمراكب أكثر الأعمال اختلافًا عن بقية المجموعة، وربما أكثرها اعتمادًا على العلاقات التشكيلية الخالصة. يقوم التكوين على تضاد واضح بين الخطوط الرأسية للمباني والصواري، والمثلثات التي تصنعها أشرعة المراكب، والخط الأفقي الفاصل بين المدينة وانعكاسها في الماء. ويخلق الأحمر والبرتقالي والأصفر نقاط جذب وسط الأزرق والرمادي، بينما تربط الانعكاسات الجزء العلوي بالسفلي. هنا لا يحتاج العمل إلى رمز أدبي مباشر؛ فاللون والإيقاع والتوازن هي التي تنتج التجربة.

ومع ذلك، يتقاطع هذا العمل مع صيغة منتشرة في لوحات المدن والمرافئ شبه التجريدية، حيث تتكرر الأبراج الرأسية والأشرعة الهندسية والانعكاسات اللونية. ولا يعني ذلك افتقاده إلى القيمة، لكنه يضع أمام الفنان تحديًا يتمثل في تحويل هذا القالب إلى بناء أكثر فردية: إما من خلال معالجة غير مألوفة للمنظور، أو اختزال أكثر حدة، أو علاقة أكثر تعقيدًا بين الكتل والفراغ، أو نظام لوني يصعب ربطه بالنماذج الشائعة لهذا النوع.

على مستوى اللون، لا تتبع المجموعة نظامًا موحدًا تمامًا. هناك ميل واضح في الأعمال الرمزية والتراثية إلى الأسود والبني والذهبي والبرتقالي، وهي ألوان تمنح المشاهد طابعًا دراميًا وتاريخيًا. وفي المقابل، تظهر الأزرقات والرماديات والبنفسجيات في أعمال الخيل والصقر والمدينة. هذا التنوع يكشف مرونة الفنان، لكنه يجعل من الصعب الحديث عن هوية لونية واحدة مكتملة. وما يوحد الأعمال فعليًا ليس اللون بعينه، بل الميل إلى التباين المرتفع وإبراز العنصر الرئيس في مواجهة خلفية أقل تحديدًا.

ويستخدم الفنان الضوء بوصفه أداة مسرحية للتركيز؛ فالأجساد والطيور والرؤوس تخرج من خلفيات داكنة، بينما تظل الأطراف والمساحات الثانوية أقل وضوحًا. يحقق ذلك حضورًا بصريًا سريعًا، لكنه يتكرر بالمنطق نفسه في أكثر من عمل، وقد يتحول مع الاستمرار إلى حل جاهز. كما يظهر أحيانًا تفاوت بين درجة صقل العنصر الرئيس وحرية الخلفية؛ فبعض الطيور والوجوه محددة بحواف واضحة وتفاصيل دقيقة، بينما تعالج الخلفيات بضربات وإشارات خشنة. هذا التضاد قد يكون مقصودًا، لكنه يؤدي في بعض المواضع إلى شعور بأن العنصر موضوع أمام الخلفية بدل أن يكون نابعًا منها. ويستطيع الفنان تجاوز ذلك من خلال توحيد منطق المعالجة، أو السماح للخلفية بأن تتدخل في حدود الشكل وتفككها.

تؤكد المجموعة أن سامي الجفري يمتلك معرفة جيدة ببناء الصورة، وقدرة على الإمساك بالموضوع، وحسًا واضحًا بالتباين والكتلة ومركز الاهتمام. كما تظهر لديه رغبة في الانتقال من الدراسة الواقعية إلى التعبير الرمزي والتجريد الجزئي. إلا أن التجربة لا تبدو، استنادًا إلى هذه الأعمال وحدها، مشروعًا بصريًا موحدًا ونهائيًا، بل تجربة في طور البحث عن الصيغة التي تجمع هذه المهارات ضمن موقف أكثر خصوصية.

التحدي المقبل أمام الفنان ليس زيادة التفاصيل أو رفع مستوى الصقل التقني، بل اتخاذ قرارات أكثر حسمًا: ما الذي يريد الاحتفاظ به من الواقعية؟ وما الذي يمكن حذفه؟ وكيف يستطيع أن يجعل الرمز أقل قابلية للاستهلاك السريع؟ وكيف تتحول الخيول والصقور من موضوعات مجيدة وجميلة إلى أشكال تحمل رؤية شخصية لا يمكن فصلها عن صاحبها؟

تنجح أعمال سامي الجفري حين يسمح للون والإيقاع والكتلة بأن تتحدث قبل الرمز، وحين لا يقدم المعنى كاملًا للمشاهد. أما عندما يكون الرمز مباشرًا أو تكون الصنعة شديدة الحضور، فإن اللوحة تقترب من الإيضاح والزخرفة أكثر من اقترابها من الاكتشاف. وبذلك لا تكمن القيمة الأساسية لهذه التجربة في إعلان اكتمالها، بل في امتلاكها أدوات حقيقية وإمكانات واضحة يمكن أن تقود، مع مزيد من الاختزال والمغامرة والبحث، إلى لغة فنية أكثر تماسكًا وخصوصية

وفي المحصلة نحن أمام فنان جاد يمتلك أدوات حقيقية ويعرف كيف يمنح موضوعه حضورا بصريا وكيف يوازن بين المعرفة الأكاديمية والحس التعبيري وبين احترام الشكل والرغبة في تجاوزه وتكشف أعمال سامي الجفري عن فنان لا ينظر إلى الرسم باعتباره صناعة لصورة جميلة فقط بل باعتباره وسيلة للاقتراب من أسئلة الإنسان ومن صور القوة والهشاشة والحرية والعبء والزمن والذاكرة ويستحق توجهه هذا الإشادة لأنه يقوم على إيمان واضح بأن المهارة لا تبلغ قيمتها الكاملة إلا عندما تحمل معنى وأن اللوحة لا تصبح فنية لمجرد إتقان تفاصيلها بل عندما تنجح في تحويل الشكل إلى تجربة شعورية وفكرية وفي الوقت نفسه فإن الإنصاف النقدي يقتضي القول إن هذه التجربة ما تزال في طور بلورة وحدتها النهائية وإن بعض الأعمال تقترب من المرجع البصري المألوف أو من الرمز المباشر أو من الإبهار التقني لكن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة الفنان بل تشير إلى المسافة التي تفصله عن مرحلة أكثر نضجا وخصوصية وهي مسافة لا تحتاج إلى مزيد من إثبات القدرة بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الحرية في الحذف والاختزال وتفكيك الشكل وتعقيد الرمز وجعل اللون نفسه موضوعا للتجربة 

إن سامي الجفري فنان يمتلك أساسا متينا وصوتا في طور التبلور وتنبع أهمية تجربته من صدق بحثها ومن تعدد أبوابها ومن قدرتها على الجمع بين الحيوان والإنسان والتراث والمدينة داخل فضاء واحد تحكمه الرغبة في منح المرئي معنى يتجاوز ظاهره وحين تكون أعماله في أفضل حالاتها فإنها لا تطلب من المتلقي أن يعجب بمهارة اليد وحدها بل تدعوه إلى التوقف أمام ما وراء الصورة وإلى الإنصات لذلك الصمت الكامن بين الضوء والعتمة وبين صلابة الكتلة وهشاشة المعنى وبين القيد والحركة وما يحتاجه الفنان في خطوته المقبلة ليس أن يصبح أكثر إتقانا فهو يمتلك من الإتقان ما يكفي لبناء عمل راسخ بل أن يصبح أكثر جرأة في الثقة بما هو ناقص وملتبس ومفتوح لأن الفن لا يعيش فقط فيما يقوله بوضوح بل فيما يؤجله ويخفيه ويتركه عالقا في وجدان المشاهد ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة سامي الجفري بوصفها تجربة واعدة وجديرة بالتقدير والمتابعة فهي لا تقف عند حدود المهارة ولا تتوقف عند جمال الموضوع بل تسعى إلى تشكيل عالم بصري له مزاجه الخاص وأسئلته المتكررة وإيقاعه الذي يمكن أن يصبح مع مزيد من البحث والمغامرة لغة فنية أكثر استقلالا وعمقا وتميزا .

Exit mobile version