بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
ليس الابتلاءُ عقوبةً لكلِّ أحدٍ، بل هو سنَّةٌ ربانيةٌ يمتحنُ اللهُ تعالى بها صدقَ الإيمانِ، ويُهذِّبُ النفوسَ، ويُكفِّرُ السيئاتِ، ويرفعُ الدرجاتِ، ويُزكِّي القلوبَ من شوائبِ الدنيا. والسعادةُ الحقيقيةُ لا تُقاسُ بخلوِّ الحياةِ من المصاعبِ، وإنما تُقاسُ بقدرةِ الإنسانِ على استقبالِ البلاءِ بقلبٍ مطمئنٍّ، ونفسٍ راضيةٍ، ويقينٍ راسخٍ بأنَّ تدبيرَ اللهِ تعالى للعبدِ خيرٌ من تدبيرِ العبدِ لنفسِه.
إنَّ الصبرَ الجميلَ هو مفتاحُ الفرجِ، وعنوانُ الثباتِ، وجسرُ العبورِ إلى رضا اللهِ تعالى. ومن صبرَ محتسبًا، ورضي بقضاءِ ربِّه، أذاقَه اللهُ من حلاوةِ الإيمانِ، وسكينةِ القلبِ، وطمأنينةِ الروحِ، ما يجعلُ مرارةَ الابتلاءِ طريقًا إلى أعظمِ المنحِ، وأجملِ العطايا. فالابتلاءُ يُظهرُ أجملَ ما في النفسِ من صدقِ العبوديةِ، وكمالِ التوكُّلِ، وحسنِ الإنابةِ، وعظيمِ الخضوعِ للهِ سبحانه وتعالى، حتى يبلغَ المؤمنُ كمالَ السعادةِ في الدنيا، والفوزَ الأبديَّ في الآخرةِ.
تأملات (241–250)
241. الثقةُ باللهِ تعالى تمنحُك الثباتَ عند سماعِ الأخبارِ المؤلمةِ؛ فالمؤمنُ يستقبلُ أقدارَ اللهِ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فيجدُ في التسليمِ قوةً، وفي اليقينِ عزاءً، وفي التوكُّلِ طمأنينةً.
242. الهدوءُ النفسيُّ يُعزِّزُ قدرتَك على ضبطِ النفسِ عند الخصومةِ؛ فالحِلمُ يطفئُ نارَ الغضبِ، ويُسقطُ سلاحَ الخصومةِ، ويُكسبُ صاحبَه مهابةً ووقارًا.
243. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُ القلبَ سكينةً عند تعثُّرِ الخططِ الدنيويةِ؛ فقد تخيبُ تدابيرُ البشرِ، أمَّا تدبيرُ اللهِ تعالى فلا يأتي إلا بخيرٍ، وإن خفيتْ حكمتُه في البدايةِ.
244. السكينةُ القلبيةُ ثمرةُ الانشغالِ بإصلاحِ النفسِ، وتركِ تتبُّعِ عيوبِ الآخرينَ؛ فمن أصلحَ نفسَه ارتقى، ومن شغلَه عيوبُ الناسِ قسا قلبُه، وضاقت نفسُه.
245. القربُ من اللهِ تعالى يكسو الكلماتِ نورًا، ويمنحُها أثرًا؛ فينطقُ المؤمنُ بالحكمةِ إذا تكلَّم، ويصمتُ بحكمةٍ إذا كان الصمتُ أبلغَ.
246. صفاءُ النيَّةِ للهِ تعالى هو سرُّ بقاءِ الأثرِ؛ فالأعمالُ لا تُخلِّدُها كثرتُها، وإنما يُخلِّدُها الإخلاصُ، والقبولُ فضلٌ من اللهِ تعالى.
247. الامتنانُ للهِ تعالى يُورثُ الوفاءَ لأهلِ الفضلِ؛ فمن شكرَ مَن علَّمه، وأكرمَ مَن أحسنَ إليه، فقد حقَّقَ خُلُقًا كريمًا، ونالَ بركةَ الشكرِ.
248. الوعيُ بعظمةِ اللهِ تعالى يُطفئُ نارَ الانتقامِ؛ فاتركِ المسيءَ لعدلِ اللهِ تعالى، واشغلْ قلبَك بالعفوِ والإحسانِ، تجدِ الراحةَ، وتذقْ حلاوةَ السلامِ الداخليِّ.
249. السعادةُ الحقيقيةُ تولدُ في لحظاتِ الاستغفارِ بالأسحارِ؛ فهي ساعاتُ الرحمةِ، وأوقاتُ القربِ، ومواسمُ انشراحِ الصدورِ، وفيها تتنزَّلُ السكينةُ على القلوبِ.
250. كلُّ قضاءٍ من اللهِ تعالى رحمةٌ ولطفٌ، وإن خفيتْ حكمتُه عن العبادِ؛ فما تراه اليومَ ألمًا، قد يجعله اللهُ غدًا سببًا لخيرٍ عظيمٍ، وفتحٍ كريمٍ، وسعادةٍ لا تزولُ.
الخاتمة
الابتلاءُ ليس نهايةَ الطريقِ، بل قد يكونُ بدايةَ طريقٍ جديدٍ، يُقرِّبُ العبدَ من ربِّه، ويُصفِّي قلبَه، ويُنمِّي إيمانَه، ويكشفُ له من أبوابِ الخيرِ ما لم يكن يخطرُ له على بالٍ. وما دام القلبُ معلَّقًا باللهِ تعالى، وحسنُ الظنِّ به حاضرًا، فإنَّ كلَّ محنةٍ تحملُ في طيَّاتها مِنحةً، وكلَّ عسرٍ يعقبه يُسرٌ، وكلَّ دمعةٍ صادقةٍ تُثمرُ فرحةً بإذنِ اللهِ تعالى.
فاستقبلْ أقدارَ اللهِ تعالى بالصبرِ، وزيِّنْ أيامَك بالرضا، وأحسنِ التوكُّلَ على ربِّك، واعلمْ أنَّ الخيرَ كلَّه فيما اختاره اللهُ لك. ومن رضي باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًّا ورسولًا، عاش مطمئنَّ القلبِ، هانئَ النفسِ، سعيدَ الروحِ، وفاز برضا اللهِ تعالى في الدنيا والآخرةِ.
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعينَ. ونلتقي على خير يوم الإثنين القادم بإذن الله تعالى.

