Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين إرث الأطرش ونبض الكلمة… الكاتبة السورية رشا أديب الأطرش في مجلس الحكواتي

حوار – فايل المطاعني الحكواتي

في عالم الكتابة، هناك من يرث الاسم، وهناك من يصنع الأثر… والجميل أن يجتمع الاثنان في إنسان يقدّر جذوره، لكنه يختار أن يرسم طريقه الخاص بقلمه وفكره.

من محافظة السويداء السورية، ومن أسرة الأطرش التي ارتبط اسمها بمحطات وطنية وتاريخية بارزة، تطل علينا اليوم الكاتبة رشا أديب الأطرش، التي لم تكتفِ بالانتماء إلى إرث عريق، بل اختارت أن يكون لها حضورها الأدبي من خلال الكلمة والتجربة والوعي.

رشا أديب الأطرش كاتبة حملت الحياة بكل تفاصيلها، فحوّلت التجارب إلى دروس، والقراءة إلى نافذة، والخواطر إلى مساحة تعبّر فيها عن الإنسان ومشاعره وأسئلته. تؤمن بأن العمر ليس أرقامًا تُحسب، بل رحلة طويلة من التعلم والنضج واكتشاف الذات.

في هذا اللقاء من مجلس الحكواتي، نقترب من عالمها، من طفولتها وذكرياتها، ومن الكتب التي صنعت وعيها، ومن الكتابة التي أصبحت جزءًا من روحها.

العمر ليس ما نكتبه على بطاقة الهوية، بل ما نتركه في قلوب الآخرين من أثر. بعض الناس تمر بهم السنوات، وبعضهم يصنعون من السنوات حكايات تستحق أن تُروى.

س1: بدايةً نرحب بكِ في مجلس الحكواتي، ونود أن نتعرف على رشا أديب الأطرش… من هي رشا بعيدًا عن الألقاب؟

ج:

أنا رشا أديب الأطرش، من سوريا، من محافظة السويداء، أبلغ من العمر تسعة وأربعين عامًا، ولا أخجل من عمري أبدًا، لأن العمر ليس مجرد أرقام.

العمر خبرة وحياة كاملة، هو المراحل التي مررنا بها منذ الطفولة إلى المراهقة ثم الشباب، هو التجارب التي صنعت شخصيتنا، وهو كل ما تعلمناه من الأيام.

س2: متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ ومن الذي شجعك على الانتقال من الكتابة الخاصة إلى النشر؟

ج:

أنا أكتب الخواطر منذ فترة طويلة، لكن في البدايات كنت أكتب لنفسي وأخفي ما أكتب، ولم أكن أسمح لأحد بالاطلاع عليه.

بعد مرحلة الانفصال، بدأت أعود إلى نفسي وإلى الأشياء التي أحبها، وكان للكتابة حضور أكبر في حياتي.

أما الفضل الكبير بعد الله في تشجيعي على النشر والظهور في هذا المجال فيعود إلى الأستاذة سميرة فاضل غانم، وهي صديقة عزيزة ومديرة مجلة البنفسج العراقية.

كانت دائمًا تشجعني وتؤمن بما أكتب، وبعد ذلك بدأت أخوض تجربة اللقاءات مع الشخصيات المختلفة، ودخلت أكثر في المجال الثقافي، ولها مني كل الشكر والتقدير.

س3: كيف أثرت القراءة في تكوين شخصية رشا الأطرش الكاتبة؟

ج:

أنا قارئة منذ سنوات طويلة. في فترة المراهقة بدأت بقراءة الروايات، وكانت أول رواية قرأتها للأديب مصطفى لطفي المنفلوطي وهي رواية الفضيلة.

في البداية ظننت أنها مجرد رواية عاطفية، لكن بعد سنوات طويلة عدت لقراءتها مرة أخرى، فاكتشفت عمقًا كبيرًا فيها، ورأيت كيف تناول المنفلوطي قضايا الروح الإنسانية والوجود والمشاعر بطريقة مختلفة.

كما قرأت للكاتب عبدالرحمن منيف، وتأثرت أيضًا بكتابات الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي.

بدأت بالروايات العاطفية، ثم انتقلت إلى الكتب الروحانية، وتأثرت بفكر أوشو، وقرأت كتبًا عن التسامح، ثم انتقلت إلى الكتب التي تحمل أفكارًا أعمق وتدعونا للتأمل في الحياة والإنسان.

ومن الكتب التي أثرت فيّ كثيرًا كتاب السماح بالرحيل وكتاب قواعد العشق الأربعون، وأعتقد أن من يقرأ هذين الكتابين بتمعّن لا يمكن أن يبقى كما كان، لأنهما يفتحان أبوابًا جديدة لفهم النفس والآخرين والحياة.

لقد جعلتني هذه الرحلة أنتقل من القراءة العاطفية إلى القراءة الروحية ثم الفكرية والعقلانية، ومع كل مرحلة كانت نظرتي للحياة تتغير وتتسع.

س4: الحياة تحمل لنا الكثير من التجارب… ماذا أخذت منك الحياة؟ وماذا أعطتك؟

ج:

الحقيقة أن الحياة أخذت مني الكثير، لكنني دائمًا أقول إن عطايا الحياة أكثر مما أخذت، والحمد لله رب العالمين.

أجمل عطية من الله هم أبنائي، ثم الاستقرار والسلام الذي وصلت إليه بعد تجارب كثيرة.

في بداية العمر نخوض معارك كثيرة، ونعتقد أننا يجب أن نأخذ كل شيء، وكأن الحياة سباق دائم، لكن مع مرور الوقت نتعلم أن الحياة تمنحنا الحكمة والخبرة.

نصل إلى مرحلة ندرك فيها أن الهدوء والسلام الداخلي من أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان، وأن العطايا حولنا كثيرة، فقط علينا أن نراها ونقدّرها.

س5: تحدثتِ عن التجارب التي صنعت شخصيتك… هل كان الانفصال بالنسبة لكِ نهاية مرحلة أم بداية لاكتشاف ذات جديدة؟

ج:

الانفصال ليس دائمًا نهاية، فقد يكون بداية جديدة يكتشف فيها الإنسان نفسه من جديد.

الزواج مؤسسة تقوم على الشراكة، وهذه الشراكة ليست دائمًا ناجحة، فالمرأة داخل هذه المؤسسة تستطيع أن تعطي وتبدع عندما تجد الدعم من المحيط حولها، وقد يكون الزوج هو الداعم الأكبر.

لكن بعد الانفصال تنتقل المرأة من مرحلة إلى مرحلة أخرى، فتجد مساحة أكبر للعودة إلى نفسها، وإلى شغفها وهواياتها والأشياء التي تحبها.

في تجربتي، أصبحت أملك وقتًا أكبر لأعيد اكتشاف ذاتي، وأخفف من الضغوط التي كانت موجودة، فبدأت أجد نفسي أكثر في الكتابة والتأمل.

وهذا لا يعني أن الزواج عائق أمام إبداع المرأة، فهناك الكثير من النساء المبدعات داخل أسر مستقرة، ولكن أحيانًا تمنحنا بعض التجارب الصعبة فرصة لرؤية أنفسنا بصورة مختلفة.

س6: نلمس في كتاباتك حضورًا كبيرًا للمشاعر الإنسانية… هل يمكن أن تشاركينا خاطرة من نبض قلمك؟

ج:

بكل حب…

منذُ افترقنا لم أعد أراقبك، ولا أعرف توقيت حضورك، ولم أعد أقف خلف شبابيك الذكرى أترقب قدومك.

ولكنه قلبي العاشق يشعر بوقع مرورك، ما أن تمر، يأخذني الحنين لأسترق النظر من وراء باب اللهفة، فأرى آثار كلماتك عالقة على مقبض الروح.

ألم يصلك عبير الشوق؟

لعينيكَ التي تقرؤني… أشتاق.

رشا أديب الأطرش

س7: تنتمي الكاتبة رشا أديب الأطرش إلى عائلة لها حضور تاريخي… ماذا يعني لكِ الانتماء إلى أسرة الأطرش؟

ج:

أنا من بيت الأطرش، ولي الشرف أن أنتمي إلى هذه العائلة.

أعتز بانتمائي إلى عائلة المجاهد وقائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش، ونحن في السويداء نقول دائمًا إننا أحفاد سلطان.

هذا الانتماء يحمل بالنسبة لي مسؤولية قبل أن يكون فخرًا، مسؤولية أن يكون الإنسان عند حسن ظن تاريخه، وأن يترك أثرًا طيبًا في مجتمعه.

س8: هل يمكن القول إن القراءة كانت سفرًا غير عادي بالنسبة لك؟

ج:

بالتأكيد، فالقراءة هي الإبحار في عقول الآخرين.

عندما أمسك رواية، فأنا لا أقرأ كلمات فقط، بل أعيش تجربة كاتب أو إنسان آخر، وأرى الدنيا من أكثر من زاوية.

من خلال الكتب نرى الجمال والبشاعة، الصدق والكذب، الخير والشر، ونتعرف إلى مشاعر وتجارب ربما لم نعشها بأنفسنا.

الكاتب المبدع يستطيع أن يجعلك تسافر إلى بلد لم تزره، ويجعلك تعيش في مكان لم تطأه قدماك.

القراءة سفر من دون جواز، ومتعة لا تنتهي.

س9: كثير من كتاباتك تحمل تأملًا في العلاقات الإنسانية… كيف تنظرين إلى الوفاء والغدر بين الناس؟

ج:

أخشى ما أخشاه أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه الغدر وجهة نظر.

كيف يمكن لصديق أن يغدر؟

غدر الأصدقاء درس قاسٍ يعلمنا أن الوفاء عملة نادرة، وأن الصداقة الحقيقية تثبت نفسها في الأيام العادية قبل الأزمات.

هناك صداقات كثيرة انهارت بعد خيانات مؤلمة، والغدر بمن وثق بنا يعكس مدى هشاشة الأخلاق في بعض العلاقات الإنسانية.

تبقى الحياة تعطينا دروسًا، وتعلمنا أن الثقة ليست شيئًا يمنح بسهولة، وأن علينا أن نختار من يدخلون عالمنا بحكمة.

أولئك الذين غدروا زرعوا فينا خذلانًا، جعلونا نخشى بعده كل يد تمتد إلينا… وإن كانت صادقة.

رشا أديب الأطرش

س10: ماذا تقولين لمن يملك موهبة الكتابة لكنه يخشى البداية؟

ج:

أقول له: اكتب ولا تخف.

أنا أشجع كل شاب وشابة لديهم الرغبة في الكتابة، لأن الكتابة تجربة إنسانية قبل أن تكون مهارة.

قد لا تكون البداية بالمستوى المطلوب، لكن مع الاستمرار والتعلم يصبح القلم أكثر نضجًا.

ربما كلمة واحدة نكتبها تغير حياة إنسان، وربما بيت شعر يبقى في ذاكرة شخص سنوات طويلة.

ما نكتبه هو أثرنا الذي يبقى بعدنا.

س11: في زمن التكنولوجيا والانفتاح الرقمي… كيف تنظرين إلى علاقتها بالقراءة والكتابة؟

ج:

التكنولوجيا سيف ذو حدين، فهي قد تكون نافعة وقد تكون ضارة، والأمر يعتمد على طريقة استخدامها.

أنا شخصيًا استفدت كثيرًا من الكتب الإلكترونية، خاصة أنني أم ولدي مسؤوليات منزلية، فأصبح الوصول إلى الكتاب أسهل وأكثر مرونة.

لكن هذا لا يلغي أبدًا متعة الكتاب الورقي، فهناك إحساس خاص في قراءة الكتاب بين اليدين، لا يمكن أن يعوضه أي شيء.

أتمنى أن يستخدم الجميع التكنولوجيا فيما يخدم الإنسان والمعرفة، فنحن في هذا الكون بحاجة إلى الحب والسلام والرضا، لأن الكثير من الناس يفتقدون هذه المعاني.

وأؤمن أن القراءة قادرة على أن تقود روح الإنسان نحو الهدوء والسلام والمحبة.

س12: الأستاذة رشا، قبل أن نختم هذا اللقاء… ماذا تقولين عن تجربتك مع الكتابة وعن حضورك في مجلس الحكواتي؟

ج:

 الكاتب فايل المطاعني هو كاتب رائع، وأصفه بالكاتب النبيل.

كان لي الشرف أن أكتب عن إحدى رواياته، وقد استمتعت كثيرًا بقراءتها، لدرجة أنني شعرت أنني دخلت بين شخصيات الرواية.

كنت أقرأ وأحلل معهم كيف ستُحل الجريمة، وكيف سنصل إلى الخيوط التي تقودنا إلى الحقيقة، وكأنني أصبحت جزءًا من الأحداث.

وهذا بالنسبة لي دليل على جمال الرواية وقدرة الكاتب على جعل القارئ يعيش داخل العمل.

يشرفني أن أكون ضيفة في مجلس الحكواتي، وأتمنى أن أكون ضيفة خفيفة على قلبه وقلوب جميع المتابعين.

شكرًا لكم.

في كل إنسان حكاية تستحق أن تُروى، لكن القليل فقط يملكون الشجاعة ليحوّلوا تجاربهم إلى كلمات تصل إلى الآخرين.

والأستاذة رشا أديب الأطرش واحدة من هؤلاء الذين جعلوا من الحياة مدرسة، ومن القراءة نافذة، ومن الكتابة صوتًا للروح.

فهي لم تكتب فقط بالحبر، بل كتبت بما عاشته وشعرت به وتأملت فيه، لتثبت أن التجارب مهما كانت صعبة قد تصبح بداية لحكاية أجمل.

شكرًا لها على هذا الحضور الصادق، وعلى الكلمات التي حملت بين سطورها الحكمة والأمل والإنسانية.

هكذا نصل إلى نهاية رحلة جميلة في مجلس الحكواتي مع الكاتبة السورية رشا أديب الأطرش، رحلة أخذتنا بين الذاكرة والتجربة، بين الكتابة والقراءة، بين الألم الذي يصنع القوة، والكلمة التي تمنح الإنسان القدرة على الاستمرار.

تعلمنا من حديثها أن العمر ليس عدد السنوات، بل مقدار ما نتركه من أثر، وأن الإنسان يستطيع في كل مرحلة من حياته أن يبدأ من جديد، وأن يجد صوته الخاص.

كل الشكر والتقدير للأستاذة رشا أديب الأطرش على هذا الحوار الراقي، وعلى حضورها الإنساني والأدبي.

وإلى لقاء جديد في مجلس الحكواتي، حيث تبقى الحكايات الجميلة تبحث دائمًا عن أصحابها.

Exit mobile version