عامل الناس بثلاث… فلسفة الأخلاق التي تبني الإنسان والمجتمع
صدي نيوز اس 6
الإعلامي/ خضران الزهراني
في رحلة الحياة تتعدد الوجوه، وتتباين الطباع، وتختلف المواقف، ويبقى حسن الخلق هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع، مهما اختلفت ثقافاتهم وأعمارهم ومكانتهم. فالأخلاق ليست كلمات تُقال، ولا شعارات تُرفع، وإنما سلوكٌ يُترجم في المواقف، ويظهر في التعامل، ويترك أثرًا في القلوب قبل العقول.
ومن أجمل ما قيل في تهذيب النفس وإصلاح العلاقات الإنسانية هذه الحكمة البليغة: “عامل الناس بثلاث: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تحزنه، وإن لم تمدحه فلا تذمه.” إنها كلمات قليلة في حروفها، عظيمة في معانيها، تصلح أن تكون منهجًا للحياة، ودستورًا للتعامل مع الناس في كل زمان ومكان.
فأول هذه القيم: إن لم تنفعه فلا تضره. فليس كل إنسان قادرًا على تقديم العون والمساعدة، ولكن الجميع قادرون على كف الأذى. فكم من إنسان لم يقدم معروفًا، لكنه حفظ لسانه، وكف يده، وصان حقوق الآخرين، فكان بذلك من أهل الفضل. إن الضرر لا يكون بالفعل فقط، بل قد يكون بكلمة جارحة، أو إشاعة باطلة، أو موقف ظالم، أو استغلال لحاجة الآخرين. ولذلك كان ترك الأذى عبادة، وعدّه الإسلام من أعظم خصال الإيمان، لأن المجتمع الذي يأمن أفراده من أذى بعضهم هو مجتمع تسوده الطمأنينة والمحبة.
أما الثانية فهي: إن لم تفرحه فلا تحزنه. فليس مطلوبًا منك أن تحمل السعادة لكل من حولك، ولكن لا تكن سببًا في انكسار قلب، أو إطفاء ابتسامة، أو جرح مشاعر إنسان. فكثير من الناس يحملون في صدورهم همومًا لا يعلمها إلا الله، وقد تكون كلمة قاسية سببًا في زيادة آلامهم، بينما كلمة طيبة قد تعيد إليهم الأمل والحياة. إن الرحمة في الحديث، والرفق في التعامل، والابتسامة الصادقة، من أعظم الهدايا التي يمكن أن يقدمها الإنسان لغيره.
ثم تأتي القيمة الثالثة: إن لم تمدحه فلا تذمه. فليس كل شخص يستحق الثناء، ولكن ليس من العدل أن يتحول اختلافنا معه إلى انتقاص أو إساءة أو تجريح. فكم من ألسنة هدمت علاقات، وفرقت بين الأحبة، وأشعلت العداوات بسبب كلمة خرجت دون تفكير. إن حفظ اللسان من أعظم علامات العقل، وقد قيل: لسانك إن صُنته صانك، وإن أطلقته أرداك. ولذلك كان الصمت عند غياب الخير حكمة، وكان الكلام الطيب صدقة يؤجر عليها الإنسان.
إن الأخلاق ليست مرتبطة بالغنى أو الفقر، ولا بالعلم أو الجهل، بل هي اختيار يصنعه الإنسان كل يوم. فقد يكون الإنسان بسيطًا في حياته، لكنه عظيم في أخلاقه، محبوبًا بين الناس بسبب صدقه، وتواضعه، وحسن تعامله. وعلى النقيض، قد يملك الإنسان المال والمنصب، لكنه يخسر احترام الآخرين إذا فقد أخلاقه.
ولقد حث الإسلام على حسن الخلق في مواضع كثيرة، فقال الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾، وقال النبي ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت.” فالكلمة مسؤولية، والموقف أمانة، والخلق الحسن من أثقل الأعمال في ميزان العبد يوم القيامة.
إن الحياة قصيرة، وأعمارنا تمضي سريعًا، ولن يبقى للإنسان بعد رحيله إلا عمله الصالح، وذكره الطيب، وأثره الجميل في قلوب الناس. فاحرص أن تكون ممن إذا حضر أسعد، وإذا غاب دُعي له، وإذا ذُكر ذُكر بالخير. واجعل شعارك في كل تعامل: أن تنفع إن استطعت، وأن تكف الأذى إن عجزت، وأن تنشر الفرح ما وجدت إليه سبيلًا، وأن تحفظ لسانك عن كل ما يجرح أو يسيء.
ختامًا:
الأخلاق ليست ترفًا، بل هي أساس بناء الإنسان، وسر نجاح العلاقات، وجواز المرور إلى قلوب الناس. فكن صاحب كلمة طيبة، وقلب رحيم، ونفس متسامحة، واترك خلفك أثرًا حسنًا، فخير الناس من أحسن إلى الناس، وأجمل الذكر أن يقال بعد رحيلك: “كان طيب القلب، حسن الخلق، لا يؤذي أحدًا، ولا يذكر الناس إلا بخير.”