الهدر الثقافي.. استنزاف طاقة عقولنا في فوضى القروبات
صدي نيوز اس 6
✍️محمد فريح الحارثي
لواء متقاعد
أجدني اليوم أمام حالة اجتماعية ثقافية تستدعي القراءة والمكاشفة فمن واقع تجربة ميدانية وشغف بمتابعة أثر التواصل الرقمي داخل عشرات المجموعات او ما يسمى القروبات —تضم آلاف الأعضاء من أطباء، ومهندسين، وضباط، وأكاديميين، ومتقاعدين— خرجت بنتيجة واحدة: نحن نمر بإنهاك ذكاء مجتمعي كامل تحت وطأة السيولة والعشوائية الرقمية.
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في الإزعاج أو إضاعة الوقت، بل في زوايا أعمق بكثير تُمارس علينا يوميًا دون أن نشعر، وتؤكدها الأبحاث والدراسات العلمية المتخصصة:
1. استنزاف الطاقة العصبية
نحن نتعامل مع هذه المجموعات بصفتها مجانية، بينما تدفع عقولنا الفاتورة من أغلى ما تملك: طاقة التركيز. تشير دراسات علم النفس التكنولوجي إلى ظاهرة “الإرهاق المعرفي”؛ إذ إن استقبال طوفان من الرسائل العشوائية والمكررة يُنقص القدرة الذهنية المتاحة بنسبة تتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر بالمائة. كل صورة مكررة أو شائعة تجبر المخ على معالجة كم هائل من “المعلومات الصفرية”، مما يستهلك الطاقة العصبية لعقول المجتمع، فيخرج الأعضاء من جولتهم الرقمية مجهدي الذهن، مشتتي الفكر، ومحملين بسوداوية لا يعلمون مصدرها.
1. خديعة “الميكروفون للمزعج” ودوامة الصمت
ليست المشكلة في أن المجتمع أضحى عشوائيًا، بل في أن هندسة المجموعات تمنح الميكروفون للأقلية الأكثر ضجيجًا. تسعون بالمائة من الأعضاء صامتون ويشعرون بالاستياء، بينما تفرض القلة المتبقية فوضى “النسخ واللصق”. تثبت الأبحاث الاجتماعية أن هذا الوضع يُحدث ما يُعرف بـ “دوامة الصمت”؛ حيث يُعزل الطرح العقلاني نتيجة هيمنة الأصوات المزعجة، فيصنع ذلك مشهدًا مزيفًا يغطي فيه الغث على السمين.
1. إدمان التفاعل الفوري
تحولت هذه المجموعات من مساحات للحوار إلى “سوبرماركت للدوبامين”. ينشر العضو الخبر المغلوط أو المحتوى العشوائي للحصول على مكافأة فورية تتمثل في كلمة شكر أو رمز تعبيري. تؤكد أبحاث السلوك الرقمي أن هذا النمط يعتمد على تحفيز التفاعل المتقطع الذي يسبب الإدمان السلوكي، مما جرد أداة النشر من أطُرها الأخلاقية، وجعل الجميع يمارس دور “وكالة الأنباء” دون أدنى تدريب على الأدبيات الرقمية.
1. خَطَر “حرب العقول” والمسؤولية القانونية
تتجاوز هذه الفوضى حدود التسلية لتلامس الأمن الفكري والمساءلة النظامية؛ وتؤكد التقارير العلمية أن الأخبار المزيفة والشائعات تنتشر في البيئات المغلقة بكتل تفوق انتشار الأخبار الصحيحة بستة أضاف، نظراً لاعتمادها على ثقة الأفراد ببعضهم. هذا الركام المتدفق يُشكل أحد أنجع أسلحة “حرب العقول” لتفكيك المجتمعات من الداخل. والأخطر من ذلك أن القوانين والأنظمة لا تعتد بـ “حسن النية”؛ فمُعيد النشر مشارك مباشر في الجرم القانوني عند تداول الشائعات أو المواد المضللة، مما يضع الناشر تحت طائلة المساءلة الجزائية الفردية.
خارطة الطريق: من “الفوضى الأهلية” إلى “المؤسسية الرقمية”
الحل لا يكمن في إغلاق شاشاتنا، بل في نقل الحراك الفكري بالكامل من العشوائية الأهلية إلى فضاءات مؤسسية ذكية، عبر خطوات عملية:
تأسيس الصوالين والأندية الرقمية المعتمدة: الانتقال من المجموعات العشوائية إلى إنشاء صوالين وأندية رقمية معتمدة تحت مظلة الجامعات، والجمعيات المهنية، وأندية الثقافة والفنون. هذه الصوالين تضع معايير واضحة للانضمام والطرح، مما يمنح النقاش قيمة علمية ويُقصي الفضول العشوائي تلقائيًا.
ربط الطرح بالبحث العلمي: تحويل الأفكار والتحليلات المتميزة داخل هذه الصوالين والأندية الرقمية إلى مدخلات لدراسات جامعية؛ فشعور المشارك بأن ما يكتبه يُدرس بحثياً ويُوثق رسمياً ينهي السطحية في مهدها.
اعتماد نظام “البث والتعقيب”: إنهاء المحادثات المفتوحة على مدار الساعة، والتوجّه نحو قنوات نشر عالية الجودة تابعة لهذه الأندية الصالونية، مع تخصيص نوافذ زمنية محددة للمداخلات لقتل فوضى “النسخ واللصق”.
الفلترة بالسمعة الرقمية: منح المساحة والتأثير داخل الأندية بناءً على جودة وموثوقية الطرح، ليتوارى المحتوى المضلل ذاتيًا دون الحاجة لقرارات إدارية قاسية.
تحفيز التنافس المؤسسي: إطلاق جوائز رسمية وأهلية لأفضل الصوالين والأندية الرقمية المعتمدة إنتاجاً وحصانة فكرية ورصانة محتوى.
يتجسد الوعي الحقيقي في الممارسة اليومية والسلوك المسؤول، تبدأ خطوته الأولى من التريث قبل الضغط على زر “إعادة الإرسال”. لقد حان الوقت لندرك أن العقل البشري ثروة لا يجوز هدرها في مستنقعات الشائعات والمحتوى العشوائي، وأن التنظيم والانتقال نحو الصوالين والأندية الرقمية المعتمدة أصحبا ضرورة مهمة لحماية مجتمعاتنا من التفكك الناعم.