جلس أحمد يتصفح صحيفة الصباح، يتأمل صفحاتها الملونة بتركيز شديد، بينما كانت زوجته أمل تجلس إلى جواره تراقبه باستغراب، وقد أثار اندماجه الكامل في القراءة فضولها. وبعد لحظات من الصمت، نادته محاولة أن تسترعي انتباهه.
أمل: أحمد…
لم يجبها، فقد ظل غارقًا بين سطور الصحيفة، فأعادت النداء مرة أخرى.
أحمد: نعم؟
قالها من غير أن يرفع عينيه عن الجريدة، منتظرًا أن تقول ما تريد.
ترددت أمل قليلًا، ثم سألت:
أمل: متى ستدخل والدتك المستشفى؟
أنزل أحمد الصحيفة ببطء، وحدق في وجهها باستغراب، ثم قال:
أحمد: وهل أمي مريضة؟
أدركت أمل أنها أخطأت في صياغة السؤال، فسارعت إلى تصحيح كلامها.
أمل: أقصد… مستشفى الأمراض النف…
ولم تدعها الكلمات تكمل عبارتها.
نهض أحمد من مكانه، ووضع الصحيفة جانبًا، وقد ارتسم الغضب على ملامحه.
أحمد: أمل… لا تعيدي هذا الحديث مرة أخرى. أمي ليست مجنونة.
كانت نظراته حادة، يتطاير منها الشرر، حتى شعرت أمل بأن قلبها ارتجف من شدة هيبته. لكنها سرعان ما استعادت رباطة جأشها، وقالت بنبرة لا تخلو من المكر:
أمل: ونادية… هل كانت مجنونة عندما أدخلتموها المستشفى؟
استدار إليها أحمد، وقد ازداد غضبه، وقال بحزم:
أحمد: لولا دخول نادية المستشفى، لما وصلتِ إلى هذا النعيم الذي تعيشين فيه اليوم. لقد جاءكِ العز يركض على قدميه.
ثم اقترب منها محذرًا:
أحمد: وإياكِ… ثم إياكِ أن تخبري أمي بما قلته الآن، أو حتى تلمحي لها أن نادية في المستشفى.
في تلك اللحظة، أدركت أمل أنها استعجلت في طرح هذا الطلب، وأن التوقيت لم يكن مناسبًا. لذلك غيرت أسلوبها، واختارت طريق اللين والمهادنة.
أمل: لا، طبعًا… فهي مثل أمي. لكنني أقول إن حالتها النفسية تعبت بعد رحيل ابنتها، ومرض ابنتها الأخرى، وربما يكون من الأفضل أن تتلقى علاجًا في المستشفى.
قاطعها أحمد قبل أن تكمل.
أحمد: أمل… أخرجي أمي من دائرة اهتمامك.
ثم أردف بلهجة لا تقبل النقاش:
أحمد: أمي لن تذهب إلى المستشفى أبدًا، فوفري محاولاتك.
واقترب منها حتى كاد يهمس في أذنها، وقال بنبرة امتزجت بالسخرية والمرارة:
أحمد: أمي ليست كتلك الأم التي لا نراها إلا ويدها ممدودة تطلب المال.
وكان يقصد أمها.
شعرت أمل بالإهانة، لكنها كتمت غيظها، وقالت بهدوء مصطنع:
أمل: حسنًا يا أحمد… لن أزعجك مرة أخرى بهذا الطلب. وكما قلت لك، فإن أمك مثل أمي.
لكن أحمد لم يبدِ أي اهتمام باعتذارها، واتجه نحو الباب وهو يقول:
أحمد: صحيح أن أمي تتألم لما حدث لنادية، لكن ذلك لا يعني أن أرسلها إلى المستشفى. هل فهمتِ يا أمل؟
ساد الصمت بينهما، وبقيت أمل تحدق في أثره وهو يغادر المكان، بينما أخذت في داخلها ترتب خطوتها القادمة، وقد أيقنت أن الوصول إلى ما تريد لن يكون بهذه السهول.