Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين تضيع مفاتيح القلوب

الأستاذ / عبدالله شراحيلي ابو يحى

ليست كلُّ الأبواب تُفتح بمفتاحٍ من حديد، فثمّة أبوابٌ لا تُرى، لكنها أعمق أثرًا وأشدُّ حصانةً؛ إنها أبوابُ القلوب. تلك التي لا تُفتح إلا بصدقٍ لا يعرف التكلّف، ووفاءٍ لا تُفسده الأيام، ورحمةٍ تُجيد الإصغاء قبل أن تُجيد الكلام.

ولعلّ أجمل ما في القلوب، وأشدّ ما فيها رهبةً، أن مفاتيحها ليست لها نُسخٌ أخرى. فإذا ضاع المفتاح، أو أُهمل، أو كُسر بيد صاحبه، لم يكن من اليسير أن يُصنع له بديل. فهناك خسائر لا يعوّضها الاعتذار، وجراحٌ لا يمحوها الزمن، لأن بعض الندوب تسكن الروح قبل أن تسكن الذاكرة.

إن الثقة ليست وعدًا يُقال، بل بناءٌ يُشيَّد حجرًا فوق حجر، وقد يحتاج الإنسان سنواتٍ ليمنح قلبه لآخر، لكنه قد يفقد ذلك كله في لحظةٍ واحدة، حين يكتشف أن من ائتمنه على قلبه لم يكن أهلًا للأمانة. فالقلب، وإن غفر، لا ينسى بسهولة، وإن سامح، يبقى متوجسًا من تكرار الألم.

ولذلك، فإن العلاقات لا تموت بسبب الأخطاء الكبيرة وحدها، بل كثيرًا ما تذبل بفعل الإهمال الصغير؛ كلمةٌ لم تُقل في وقتها، واهتمامٌ تأخر، ووفاءٌ غاب، وصدقٌ تراجع، حتى يصبح القلب كبيتٍ هجره أصحابه، فلا يعود يعرف معنى الدفء.

وليس أصعب على الإنسان من أن يقف أمام قلبٍ كان يومًا وطنًا له، ثم يجده موصدًا لا لأن صاحبه يكره، بل لأنه تعب من الانتظار، واستنزفته الخيبات، حتى آثر الصمت على العتاب، والرحيل على البقاء.

إن القلوب لا تطلب المستحيل، وإنما تبحث عمّن يحفظ مفاتيحها كما يحفظ أثمن ما يملك. فمن عرف قيمة القلب، لم يعبث بمشاعره، ولم يُراهن على صبره، ولم يجعل من محبته ميدانًا للتجربة. فالقلوب الكريمة قد تصبر طويلًا، لكنها إذا انكسرت، لا تعود كما كانت، تمامًا كما أن الزجاج، مهما أُحسن ترميمه، يبقى يحمل آثار الشروخ.

ولعل الحكمة الأبلغ أن ندرك أن الحب وحده لا يكفي، وأن المشاعر، مهما عظمت، تحتاج إلى رعايةٍ دائمة، كما تحتاج الوردة إلى الماء، والنخلة إلى السقيا. فالإهمال هو الصدأ الذي يأكل مفاتيح القلوب بصمت، حتى يأتي يومٌ لا يعود فيه المفتاح صالحًا لفتح الباب.

فاحفظوا مفاتيح القلوب قبل أن تضيع، وأكرموا الأرواح التي جعلت لكم في داخلها مكانًا، فليس كل بابٍ يُغلق يُفتح مرةً أخرى، وليس كل قلبٍ ينكسر يمنحه الله القدرة على النبض بالثقة ذاتها.

فمفاتيحُ القلوب ليست لها نُسخٌ أخرى، فإذا أضعتها، فلا تطرق الباب كثيرًا… فقد يكون القلب قد تعلّم كيف يعيش مُغلقًا، حفاظًا على ما تبقّى من سلامه.

الكاتب الصحفي عبدالله شراحيلي ابو يحى

Exit mobile version