Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين يكون العتاب آخر ما تبقّى من الود

 

بقلم: أحمد علي بكري

بينمى كنت اتجول في ثنيات الصفحات على منصات التواصل الاجتماعي الالكترونية وجدتُ هذا البيت، فتوقفت عنده طويلًا، لا لأن مفرداته جاءت في غاية الجمال والجزالة فحسب، بل لأنه استطاع أن يختصر في شطرين حكاية آلاف العلاقات الإنسانية، وأن يرسم بخطوط قليلة خريطةً دقيقة لمشاعر البشر وهم يتقاطعون، ويقتربون، ويبتعدون. يقول الشاعر:

“إِذَا ذَهَبَ العِتَابُ فَلَيْسَ وُدٌّ،

وَيَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ.”

وهو من الأبيات المشهورة التي تُنسب إلى الإمام الشافعي، وإن كانت نسبة البيت إليه ليست محل اتفاق بين الباحثين، إلا أن الحكمة التي يحملها تتجاوز مسألة القائل، لأنها تمس حقيقة إنسانية تتكرر في كل زمان ومكان.

لقد اعتدنا أن ننظر إلى العتاب على أنه لون من ألوان الخصومة، أو أنه بداية للخلاف، بينما يكشف هذا البيت عن حقيقة معاكسة تمامًا؛ فالعتاب ليس نقيض المحبة، بل هو أحد مظاهرها. إنه الصوت الذي يخرج من قلب ما زال يرى في العلاقة قيمة تستحق البقاء، وما زال يؤمن أن ما انكسر يمكن إصلاحه، وأن ما تعكر يمكن أن يعود صافيًا. ولذلك فإن الإنسان لا يعاتب كل الناس، بل يعاتب من أحبهم، ومن منحهم مكانة في نفسه، ومن يرى أن خسارتهم ليست أمرًا هيّنًا.

ولو تأملنا حياتنا اليومية لوجدنا أن أكثر من نعاتبهم هم أقرب الناس إلينا؛ الوالدان يعاتبان أبناءهما لأنهما يريدان لهم الخير، والزوجان يتعاتبان لأن كلاً منهما لا يزال ينتظر من الآخر اهتمامًا أكبر، والأصدقاء يتبادلون العتاب لأن الصداقة الحقيقية لا تقوم على المجاملات الباردة، وإنما على الصدق والوضوح. أما الغريب، فلا نعاتبه، لأننا لا ننتظر منه شيئًا، ولا نمنحه مساحة في قلوبنا تستحق أن نتألم من أجلها.

ومن هنا تتجلى الفلسفة العميقة لهذا البيت؛ فالعتاب ليس دليلًا على وجود المشكلة، بل دليل على وجود الرغبة في حلها. إنه إعلان ضمني بأن العلاقة لا تزال حية، وأن القلب لم يغلق أبوابه بعد. أما حين يختفي العتاب تمامًا، فقد لا يكون السبب أن الأمور أصبحت بخير، بل لأن الأمل نفسه قد غادر، ولأن الإنسان وصل إلى مرحلة لم يعد يرى فيها جدوى من الحديث أو الإصلاح.

إن الصمت الذي يأتي بعد كثرة العتاب ليس صمتًا عاديًا، بل هو أخطر أنواع الصمت. إنه صمت يولد بعد استنزاف طويل، وبعد أن يكون القلب قد طرق كل الأبواب فلم يجد استجابة. ولذلك فإن العلاقات لا تموت غالبًا عند أول خلاف، وإنما تموت حين يتوقف أحد الطرفين عن المحاولة، وحين يصبح الصمت أكثر راحة من الكلام، واللامبالاة أسهل من التعبير عن الألم.

ولعل من أجمل المفارقات النفسية أن الإنسان قد يغضب ممن يحب أكثر مما يغضب من غيره، ليس لأن المحبة نقصت، بل لأن التوقعات ارتفعت. فكلما ازداد الحب، ازداد انتظار الوفاء والاهتمام والصدق، وأصبح الخطأ أكثر وقعًا على النفس. ولهذا فإن العتاب ليس وليد الكراهية، وإنما وليد الأمل. فالكراهية لا تنتج عتابًا، بل تنتج قطيعة، أما المحبة فتنتج لومًا رقيقًا يقول في جوهره: “لقد آلمتني، لأنك تعني لي الكثير.”

ومن الناحية الفلسفية، يمكن القول إن العتاب هو محاولة الإنسان مقاومة الفناء العاطفي. فالعلاقات، كالكائنات الحية، تمر بمراحل نمو وضعف ومرض، لكنها لا تموت بمجرد إصابتها، وإنما تموت عندما يتوقف أصحابها عن علاجها. والعتاب هو أول دواء يقدمه القلب قبل أن يعلن استسلامه. إنه أشبه بالطبيب الذي يحاول إنقاذ المريض، فإذا عجز عن ذلك، غادر المكان بصمت، تاركًا الزمن يكمل مهمته.

وليس من الحكمة أن يفرح الإنسان بانتهاء العتاب، فبعض الناس يقول: “الحمد لله، لم يعد يعاتبني أحد.” وهو لا يدرك أن هذا قد يكون أخطر إنذار يتلقاه في حياته. فحين يصمت المحب، قد لا يكون قد سامح، وإنما يكون قد تعب. وحين يتوقف الصديق عن لوم صديقه، فقد لا يكون قد نسي، وإنما اقتنع أن الحديث لم يعد يغير شيئًا. وحين تكف القلوب عن الشكوى، فإنها كثيرًا ما تكون قد بدأت رحلة الرحيل.

ومع ذلك، فإن العتاب ليس فضيلة مطلقة، بل له أدبه وحدوده. فالعتاب الذي يقصد الإصلاح يختلف عن العتاب الذي يقصد الإهانة، والعتاب الذي يفتح باب الحوار ليس كالعتاب الذي يغلقه. ولهذا كان العرب يقولون إن خير العتاب ما كان قليلًا، وخير الكلام ما دلّ ولم يطل. فالقلوب تتقبل النصح حين يأتي بلطف، لكنها تنفر حين يتحول العتاب إلى محاكمة دائمة أو إلى تذكير لا ينتهي بالأخطاء الماضية.

وفي تراثنا العربي والإسلامي نجد أن ثقافة الصفح كانت دائمًا تقترن بثقافة المصارحة. فلم يكن الناس يعدّون المصارحة إساءة، بل كانوا يرونها لونًا من ألوان الوفاء. ولهذا بقيت كثير من العلاقات راسخة عبر السنين لأنها كانت تقوم على قاعدة بسيطة: “إذا أخطأتُ فعاتبني، ولا تجعل الصمت أول ردودك.” فالصمت قد يحفظ المظاهر، لكنه لا يحفظ القلوب، بينما العتاب الصادق قد يوجع لحظة، لكنه ينقذ عمرًا كاملًا من الفراق.

ولعل أكثر ما يؤلم في زمننا هذا أن الناس أصبحوا أسرع إلى القطيعة من الحوار، وأسرع إلى الحذف والإلغاء من المصارحة، حتى غدا كثير من العلاقات ينتهي برسالة لم تُرسل، أو مكالمة لم تُجر، أو عتاب كتمه صاحبه حتى مات في صدره. ولو أن شيئًا من الشجاعة الوجدانية حضر، لربما بقيت صداقات، واستمرت زيجات، وحُفظت أواصر قربى كانت تستحق فرصة أخرى.

إن العلاقات الإنسانية لا تُقاس بعدد السنوات، وإنما بقدرتها على تجاوز العواصف. وما أكثر العلاقات التي انهارت لأنها افتقدت الصراحة، وما أكثرها التي نجت لأن أصحابها امتلكوا شجاعة العتاب قبل أن يفوت الأوان. فليس العيب أن نختلف، فالاختلاف سنة بشرية، وإنما العيب أن نسمح للصمت أن يبني بيننا جدارًا لا يعود أحد قادرًا على هدمه.

وحين نتأمل هذا البيت مرة أخرى، ندرك أنه ليس مجرد حكمة شعرية، بل قاعدة في فهم النفس البشرية. فالعتاب هو النبض الذي يخبرنا أن القلب لا يزال حيًا، وأن الود لم يمت بعد، وأن باب الرجوع لا يزال مفتوحًا. أما إذا انطفأ هذا النبض، وسكتت الكلمات، وغاب اللوم، فربما لا يكون ذلك سلامًا كما نظن، بل يكون النهاية الهادئة التي تسبق الغياب الأخير.

ولهذا، إذا وجدت يومًا من يعاتبك بحب، فلا تستعجل الغضب منه، ولا تفسر كلماته على أنها انتقاص لك، بل انظر إليها على أنها رسالة وفاء جاءت قبل أن يختار الصمت. فالعتاب الصادق ليس عدوًا للمحبة، بل هو حارسها الأخير، وآخر خيط يربط قلبين كادا أن يفترقا، وآخر شاهد على أن الود ما زال حيًا، وأن الأمل لم يمت بعد.

Exit mobile version