الكاتبة والإعلامية هناء السعيد في مجلس الحكواتي
مقدمة الحكواتي
قبل أن تخطو أولى خطواتك نحو مجلس الحكواتي، وقبل أن تُصغي لندائه المنسوج من أثير الأسطورة، عليك أن تتوقف لحظةً عند حافة النهار… أن ترفع بصرك بوقار، وتستأذن من الشمس.
استأذنها؛ فأنت على وشك العبور من ضوئها الظاهر، لتدخل شعاعاً من نوعٍ آخر… ضياءً يتدفق من قلبٍ لم يزده العتق إلا دفئاً، ومن لغةٍ غُزلت كلماتها بأوتار الشغف والوجد، حتى غدت الحروف فيها مصابيح تهدي التائهين إلى مرافئ المعنى.
في حضرة الحكواتي، لا تُروى السِّير لتزجية الوقت، بل تُبنى الممالك من محبة، وتُستعاد الأحلام من براءة الخيال؛ هي رحلةٌ يتوقف فيها الزمن الفيزيائي، ويُخلي النهار عرشه طائعاً للكلمات، لتبدأ شمس الحكاية شروقها الباذخ في أرواح المنصتين، فيغدو الإصغاء عبادةً للجمال، ويغدو الصمت لغةً أخرى للفهم.
ذلك الصوت القادم من أغوار القلب، لا يشبه إلا هلاهل أهلنا الطيبين، وحداء أمهاتنا في مسرات العمر؛ صوتٌ يفيض بأصالة الطين، ودفء البيوت، ورائحة الخبز الأول، وظلال النخيل حين تعانق الريح، ينبعث كالندى في سحر القصيدة، فيأخذ بأيدينا، ويغمر أرواحنا بالشوق، ثم يعبر بنا، خفافاً بغير أوزار، إلى شواطئ السماء.
فهنا لا تكون الحكاية مجرد كلمات تُقال، بل ميثاقاً قديماً بين الإنسان وذاكرته، وبين القلب وما أحب، وبين الزمن وما أبقاه من أثرٍ جميل. وكلما أضاء الحكواتي قنديلاً من قناديل الحكاية، أدركنا أن أجمل الرحلات ليست تلك التي تقطعها الأقدام، بل تلك التي تقطعها الأرواح وهي تعود، في خشوع، إلى منابعها الأولى.
هناك أماكن لا تغادر الإنسان مهما ابتعد عنها… تبقى تسكن الذاكرة، وترافق خطواته، وتظهر في كل حرف يكتبه.
فبعض البشر لا يحملون ذكريات المكان فقط، بل يحملون روحه معهم؛ يحملون رائحة النهر، وظل النخلة، وصوت الطفولة الأولى التي صنعت ملامح الإنسان قبل أن تصنع ملامح الكاتب.
وقبل أن نلتقي بضيفة هذا المجلس، علينا أن نستأذن من تلك الأماكن التي صنعت الحكاية؛ فبعض الأماكن ليست مجرد جغرافيا، بل أرواح تسكننا، وبعض الذكريات ليست ماضياً، بل جذور تمتد في حاضرنا ومستقبلنا.
وفي مجلس الحكواتي، لا نبحث عن الأسماء فقط، بل نبحث عن الحكايات التي صنعت تلك الأسماء، وعن التجارب التي حولت الألم إلى معرفة، والذاكرة إلى كلمات، والإنسان إلى رسالة.
فالحكايات العظيمة لا تُولد في القصور، بل في البيوت التي عرفت البساطة، وعلى ضفاف الأنهار، وتحت ظلال النخيل، وفي القلوب التي تعلمت أن تحوّل وجعها إلى نور، وأن تجعل من الكلمة وطناً، ومن المحبة رسالة، ومن الإنسان حكاية تستحق أن تُروى.
ضيفتنا اليوم هي الكاتبة والإعلامية هناء السعيد، صاحبة رؤية إنسانية عميقة، تؤمن بأن الحكاية ليست مجرد سرد للأحداث، بل جسر يصل الإنسان بإنسانيته، وأن الكلمة قادرة على مقاومة النسيان، وحماية الروح من الجفاف.
هي ابنة المكان الذي يروي للإنسان معنى الانتماء؛ حيث النهر يمنح الحياة، والنخلة تعلم الصبر والعطاء، وحيث تتحول تفاصيل الطفولة إلى بذور تنمو في ذاكرة الكاتب، فتزهر أدباً، وإعلاماً، وإنسانية.
«قد يرحل الإنسان عن المكان، لكن المكان لا يرحل عنه… يبقى نهراً في الذاكرة، وظلاً في القلب، وحكايةً تبحث عن قلمٍ يرويها.»
اس١: حين تولدين في بيئة يحكمها النهر ويظللها الشجر، وأي شجر… إنه النخل الباسق، كيف أثرت تلك البيئة في تكوين شخصيتك ورؤيتك للحياة والكتابة؟
ج:
حين تولد في بيئةٍ يحكمها النهر ويظللها الشجر، وأيُّ شجر… إنه النخل الباسق، فإنك لا تنشأ على اليقين الجاف، بل تنشأ على رطوبة المجاز وتحولات الطبيعة.
النهر يعلّمك التدفق وعدم الثبات، ويعلّمك أن الحياة في حركة مستمرة، وأن العمق لا يظهر على السطح دائماً.
وهذا المزيج الفريد ترك في شخصيتي أثراً عميقاً في البحث عن الحقيقة وشغف الحكاية.
في تلك البيئة الفطرية، تدرك غريزياً أهمية التوازن والعدالة؛ فقد رأيت كيف يمنح النهر ماءه للجميع دون تمييز، وكيف يمتد الظل ليحمي المتعبين.
رائحة ذلك النهر وظله ما زالا يرافقانني في كل نص أكتبه، فهو البوصلة التي تذكرني دائماً: من أين بدأت؟ ولماذا أكتب؟
قال الحكواتي:
ما أعجب المكان… يظن الناس أنهم يغادرونه، بينما هو يبقى ساكناً في أعماقهم. يختبئ في نبرة أصواتهم، وفي مفرداتهم، وحتى في صمتهم الطويل. فالطفولة لا تكبر، إنها فقط ترتدي وجهاً آخر، وتظل تمد الكاتب كلما عطش، بكأسٍ من الذكريات لا ينضب.
س٢: هل ما زالت تلك الطفلة الأولى التي عاشت البدايات حاضرة في كتاباتك؟
ج:
الحقيقة أن تلك الطفلة لم تغادر قط.
فتلك الطفولة الأولى لم تكن مجرد زمن عبرته، بل كانت المِعجن الأول الذي تشكلت فيه تضاريس روحي، والشرارة التي علمتني كيف أرى العالم وأكتبه.
فكل كاتب يحمل داخله طفلاً قديماً يطل عليه بين الحين والآخر؛ يذكره بالدهشة الأولى، وبالأسئلة التي لم تنتهِ، وبذلك النقاء الذي يجعل الحكاية صادقة.
ومضة الحكواتي:
كل كاتبٍ عظيم يحمل طفلاً صغيراً يمسك بيده كلما أوشكت الحياة أن تحوله إلى حجر. لذلك تبقى الكتابة محاولةً دائمة لاستعادة أول دهشة عرفها القلب، وأول نافذة أطل منها الإنسان على العالم، حين كانت الأشياء تُرى بالفطرة، لا بالتأويل.
س٣: أمام قسوة الحروب والمشاهد الإنسانية المؤلمة، كيف يستطيع الإنسان الحفاظ على إنسانيته؟
ج:
“المرونة البشرية” (Resilience) هو المصطلح الأقرب إلى نفسي في وصف الذات الإنسانية.
فالحروب والمشاهد القاسية تضع الإنسان أمام خيارين: إما أن يدع القسوة تتسرب إلى داخله فيصبح جزءاً منها، أو أن يتمسك بإنسانيته كدرع أخير يحميه من الانهيار.
والحفاظ على الإنسانية في ظروف كهذه ليس ترفاً، بل هو آلية دفاعية للبقاء.
تتولد هذه المقاومة الداخلية في تحويل الألم المشهود إلى كلمات، وتوثيق قصص الفقد والغياب، فهي الطريقة الوحيدة لمنع تلك المشاهد من أن تصبح مجرد أرقام عابرة.
الحكاية تحمي الروح من التبلد.
فالروح لا تخرج من الحروب معافاة تماماً، بل تخرج محملة بحقائب من الغياب والندوب، لكن هذه الندوب نفسها تذكرنا دائماً بقيمة الرقة والعدالة والتمسك بالحق في حياة كريمة ونبيلة.
أحمل الإنسانية في قلبي ليس كضعف، بل كمصل يحمي روحي من الجفاف.
قال الحكواتي:
الحروب لا تختبر قوة الجيوش وحدها، بل تختبر مقدار ما بقي من الإنسان في داخل الإنسان. أما الكلمة الصادقة، فهي آخر وطنٍ تلجأ إليه الأرواح عندما تضيق بها الأرض، وآخر قنديل يظل مشتعلاً حين تنطفئ المدن وتتيه الخرائط.
س٤: هل الألم يجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم الآخرين؟
ج:
نعم، لكن الألم لا يحول الإنسان تلقائياً إلى كائن أكثر تفهماً، بل هو بمثابة مفترق طرق نفسي.
عندما يمر الإنسان بتجارب قاسية، تتجاوز المعاناة عنده الجانب النظري لتصبح واقعاً معاشاً.
فيُكسر الوهم بأننا مركز الكون، ويجعلنا الألم ندرك هشاشتنا الإنسانية.
والشخص الذي تألم كثيراً يصبح لديه رادار دقيق لالتقاط حزن الآخرين؛ يرى الخذلان في نظرة العين، ويسمع الوجع في نبرة الصوت المرتجفة، ويفهم الصمت الطويل لأنه اختبره.
فالألم، رغم قسوته، قد يمنح الإنسان بصيرة لا تمنحها الأيام العادية؛ يجعله أكثر إنصاتاً للآخرين، وأكثر رحمةً تجاه ما لا يراه الناس من معارك داخلية يخوضها من حولهم.
همسة الحكواتي:
ليس كل من ابتسم سعيداً، وليس كل من صمت خالياً من الحكايات. لذلك كان النبل دائماً أن نعامل الناس برحمة، فنحن لا نعرف أي معركةٍ يخوضها كل واحد منهم في داخله. وربما كانت الكلمة الطيبة، في لحظةٍ ما، أعظم انتصارٍ يحققه الإنسان على قسوة هذا العالم.
س٦: كلمة “لا”… ماذا تعني لك اليوم؟
ج:
“لا” أصبحت حارستي الأمينة.
لم تعد أداةً للمواجهة أو الرفض الصاخب، بل تحولت إلى جدار حماية لسلامي الداخلي، وضمانة ألا أساوم على مبادئي أو أفرط في ذرة من كرامتي الفكرية والإنسانية.
تذكرني دائماً بأن الخسارات المادية أو المهنية المؤقتة ليست سوى ثمن زهيد مقابل الاحتفاظ برأس مرفوع وروح لم تلوثها التنازلات.
اليوم تعني لي هذه الكلمة النضج؛ فما لم نكن قادرين أولاً، وبكل شجاعة، على قول “لا” لكل ما يشوه إنسانيتنا، فلن نعرف قيمة أنفسنا.
وأنا أرفض أن أكون ممن يمثلهم وهم الجري وراء المناصب والكراسي على حساب نفسي وإنسانيتي.
صدقاً، أنا أشكرهم جميعاً، وأقصد الذين تسببوا في تشويه سمعتي وهجرتي إلى حيث البداية لا تنتهي.
فالجاهل يرى الأشياء، أما التجربة فعلمتني أن أرى معاني الأشياء.
قال الحكواتي:
ما أكثر الكلمات التي ننطقها في حياتنا، وما أقل الكلمات التي تغيّر مصيرنا. ولعل كلمة “لا” هي أكثرها شجاعة؛ فهي ليست إعلان خصومة، بل إعلان وفاء للنفس. وما أجمل الإنسان حين يعرف متى يفتح أبواب قلبه، ومتى يغلقها في وجه ما ينتقص من كرامته. فكل “لا” تُقال في وجه الباطل، هي في حقيقتها “نعم” تُقال للحياة الكريمة.
ومضة الحكواتي
ليست القوة أن تربح كل المعارك، بل أن تنتصر على ضعفك، وأن تحرس مبادئك من إغراء الطريق السهل. فالأشجار الشامخة لا يرفعها ضجيج الريح، بل يثبتها عمق الجذور.
س١٨: لو مُنحتِ دقيقةً واحدة يسمعك فيها العالم كله… ماذا ستقولين؟
ج:
لا تتركوا أحداً يقاسي عتمته بمفرده.
احرسوا المحبة في قلوبكم كما تحرس الأمهات نوم أطفالهن، واجعلوا من الحضور عزاءً لكل غياب.
ففي نهاية المطاف، لن يتبقى منا سوى الأثر الذي تركناه في أرواح الآخرين.
كونوا ذلك الأثر الجميل، كونوا العناق اللامرئي لهذا العالم المتعب.
ثم سأصمت… وأترك لصدى الكلمات أن يبحث عن مستقره في القلوب الغافلة.
قال الحكواتي:
يمضي العمر سريعاً، حتى يكتشف الإنسان أن أجمل ما تركه خلفه لم يكن مالاً ولا منصباً، بل كلمةً طيبة، ويداً امتدت في وقت الحاجة، وابتسامةً أعادت الأمل إلى قلبٍ أوشك أن يستسلم.
وما أجمل أن يرحل الصوت، وتبقى الرسالة. فالكلمات الصادقة لا تموت بانتهاء الحديث، بل تبدأ رحلتها الحقيقية عندما تجد قلباً يؤمن بها، وعقلاً يحملها، وإنساناً يحولها إلى عمل. وهكذا تُولد الحكايات الخالدة؛ لا من كثرة ما يُقال، بل من صدق ما يُعاش.
استراحة الحكواتي
وقبل أن نصل إلى ضفة الختام، دعونا نجلس قليلاً في ظل هذه الحكاية.
فما أجمل أن يصادف الإنسان في رحلته أرواحاً لا تزاحم الضوء، بل تزيده إشراقاً؛ أرواحاً كلما تحدثت أيقظت فينا إنسانيتنا، وكلما صمتت تركت في القلب مساحةً للتأمل.
لقد علمتني المجالس أن الحكايات لا تُقاس بطولها، بل بعمق أثرها. وأن أجمل الضيوف ليسوا أولئك الذين يملؤون الوقت بالكلام، بل الذين يتركون بعد رحيلهم أسئلةً تسكن الوجدان، وإجاباتٍ تتفتح مع الأيام كما تتفتح السنابل بعد المطر.
وربما لهذا السبب بقيت الحكاية رفيقة الإنسان منذ فجر التاريخ؛ لأنها لا تمنحه الخبر وحده، بل تمنحه الحكمة، ولا تروي له ما حدث فقط، بل تعلّمه كيف ينظر إلى الحياة بعينٍ أكثر رحمة، وقلبٍ أكثر اتساعاً.
وفي مجلس الحكواتي، نؤمن أن الكلمة الصادقة لا تنتهي عند أذن السامع، بل تبدأ رحلتها الحقيقية حين تستقر في القلب، فتغدو نوراً يهدي، وأثراً يبقى، وحكايةً تُروى جيلاً بعد جيل.
س٢٠: ماذا تقولين لقراء مجلس الحكواتي الذين يتابعون الحكايات والكلمات بمحبة وشغف؟
ج:
في زمنٍ بات كل شيء فيه يتحرك بسرعةٍ مفرطة، يظل شغفكم وشغفي بالكلمة المكتوبة والمحكية هو الجسر الذي يربطنا بإنسانيتنا الأولى؛ تلك التي كانت تلتقي حول النار لتستمد الدفء من الأسطورة والمعنى.
الحكواتي يذكرني دائماً بأن الإنسان، في جوهره، كائنٌ يغتذي على الحكاية، ويبحث في تفاصيلها عن عزاءٍ لغياب، أو أملٍ في غدٍ، أو مرآةٍ تشبه تفاصيل روحه.
فالحكاية ليست مجرد كلمات تُقال، بل وطنٌ صغير نحمله معنا أينما ذهبنا؛ نعود إليه كلما أتعبتنا الحياة، ونجد فيه شيئاً من أنفسنا التي قد تضيع وسط زحام الأيام.
قال الحكواتي:
ما دام في الدنيا قارئٌ يفتح قلبه قبل أن يفتح الكتاب، ومستمعٌ ينصت بروحه قبل أذنيه، فلن تشيخ الحكايات، ولن ينطفئ وهج الكلمة. فالأمم لا تحفظها الجدران وحدها، وإنما تحفظها أيضاً الحكايات التي ترويها لأبنائها، والقيم التي تغرسها في ضمائرهم، والمحبة التي يتوارثونها جيلاً بعد جيل.
خاتمة الحكواتي
وهنا… يصل مجلسنا إلى الضفة الأخيرة من هذه الرحلة الجميلة، رحلةٍ بدأت بين ضفاف النهر، واستظلت بظلال النخيل، ثم مضت بنا عبر دروب الذاكرة، وحقول الطفولة، وأسئلة الإنسان التي لا تشيخ مهما تقدمت به السنون.
جلسنا اليوم مع الكاتبة والإعلامية هناء السعيد، لكننا في الحقيقة جلسنا مع الإنسان قبل الكاتب، ومع الذاكرة قبل الحروف، ومع القلب قبل اللغة. اكتشفنا أن المكان قد يغيب عن العيون، لكنه لا يغيب عن الأرواح، وأن الطفولة ليست مرحلةً من العمر، بل وطنٌ نحمله معنا كلما أوحشتنا الطرق.
وتعلمنا أن النهر لا يجري في الأرض وحدها، بل يجري أيضاً في الضمير، وأن النخلة لا تمنح ثمرها فحسب، بل تعلمنا كيف يبقى الإنسان شامخاً، كلما اشتدت عليه الرياح، ضارباً جذوره في الأرض، رافعاً رأسه نحو السماء.
وأيقنّا أن الحكاية ليست ترفاً ثقافياً، ولا كلماتٍ تُقال لتزجية الوقت، بل هي ذاكرة الشعوب، ولسان الحضارات، والبيت الأخير الذي تلجأ إليه الأرواح حين تضيق بها الحياة. فمنذ أن اجتمع الإنسان الأول حول النار، وهو يحتمي بالحكاية من وحشة الليل، ويهتدي بها إلى صباحٍ جديد.
لقد أكدت لنا هناء السعيد أن الألم ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بدايته؛ وأن الندوب ليست عيباً في الروح، بل شواهد على أنها خاضت معاركها ولم تستسلم. وأن الكلمة الصادقة تستطيع أن تزرع في قلب إنسانٍ أملاً، وفي عقله وعياً، وفي روحه طمأنينة.
قال الحكواتي:
لا تبحثوا عن الإنسان في صوته فقط… ابحثوا عنه في أثره.
ولا تفتشوا عن الكاتب في كتبه وحدها… فتشوا عنه في القلوب التي غيّرها، وفي الدموع التي جففها، وفي الأمل الذي أيقظه بكلمةٍ صادقة.
فالإنسان قد يرحل، وتبقى حكايته تمشي بين الناس، تبتسم لهذا، وتواسي ذاك، وتهمس لطفلٍ صغير بأن الدنيا، مهما أثقلتها الأيام، ما زالت تتسع للمحبة.
وقبل أن نطوي صفحات هذا المجلس، نرفع القبعة احتراماً لكل إنسانٍ جعل من الكلمة رسالة، ومن القلم أمانة، ومن الحياة فرصةً لزرع الخير في دروب الآخرين.
شكراً للكاتبة والإعلامية هناء السعيد على هذا اللقاء الذي لم يكن حواراً بقدر ما كان رحلةً في أعماق الإنسان.
وشكراً لكم، قراء مجلس الحكواتي، لأنكم تؤمنون، كما نؤمن، بأن الحكايات ليست للتسلية وحدها، بل لتذكّرنا دائماً بأننا بشر، وأن أجمل ما في الإنسان… إنسانيته.
وأما أنا…
فسأترك هذا المجلس كما يترك الفلاح ضفة النهر عند الغروب؛ يلتفت إليها مرةً أخيرة، ويبتسم، لأنه يعلم أن الماء سيواصل جريانه، وأن النخيل سيبقى واقفاً يحرس الحكايات، حتى يأتي عابرٌ جديد، يحمل قلباً متعباً، فيجد عند الحكواتي مقعداً، وفنجانَ قهوة، وحكايةً تشبهه.
فبعض المجالس تنتهي بإغلاق الباب…
أما مجلس الحكواتي، فلا يغلق بابه أبداً.
إنه يطفئ القنديل… ويترك القمر ساهراً على الحكاية.
حاورها الحكواتي: فايل المطاعني.

