من انا ؟ أنا التلقائية حين يكون القلب مرآةً لا تعرف الأقنعة
صدي نيوز اس 6
بقلم : أحمد علي بكري
أنا شخص تلقائي جدًا، لم أتعلم يومًا كيف أرتدي الأقنعة، ولم أجد في حياتي سببًا يجعلني أُخفي ما أشعر به خلف كلماتٍ مصطنعة أو ابتساماتٍ زائفة. أؤمن أن الإنسان في أجمل صوره هو ذلك الذي يظل على طبيعته مهما ازدحم العالم بالمجاملات الباردة والمصالح العابرة.
لذلك أتعامل مع الناس بحسن نية، وأمنحهم الثقة قبل أن أبحث عن أسباب الريبة، لا لأنني لا أعرف أن في الدنيا من يخدع ويكذب، بل لأنني لا أريد أن أفقد ذلك الجزء النقي من روحي الذي يرى الخير قبل الشر، ويبحث عن البياض حتى وإن اختلط بالسواد. قد يدفعني ذلك أحيانًا إلى خيباتٍ لم أكن أتمناها، لكنني أفضّل أن أخسر بسبب طيبتي على أن أربح وأنا أتخلى عن إنسانيتي. أنا واضح وصريح في مشاعري إلى حدٍ بعيد، فإذا مدحت إنسانًا فإنني أقول ما أؤمن به حقًا، وإذا شكرت أحدًا فإن امتناني يخرج من القلب قبل أن تنطق به الشفاه، وإذا أحببت فإن محبتي تظهر في تفاصيل التعامل قبل الكلمات. لا أجيد صناعة المشاعر، ولا أعرف كيف تُقال الكلمات الجميلة لمجرد المجاملة أو تحقيق مصلحة، فالكلمة عندي مسؤولية، وما يخرج من القلب لا يحتاج إلى تزيين، لأنه يصل إلى القلب كما وُلد، صادقًا وعفويًا. ولعل أكثر ما أفتخر به أنني لا أملك موهبة الزيف، ولا أستطيع أن أمثل دورًا لا يشبهني، فالتصنع يرهقني، والكذب يثقل لساني، والخداع ليس من طبعي، لذلك قد أخسر بعض العلاقات لأنني لا أجيد لعب الأدوار، لكنني أكسب راحة الضمير، وهي المكسب الذي لا يعادله شيء.
أنا إنسان بسيط، لا تحتاج إلى بذل الكثير حتى تُسعدني، فالكلمة الطيبة عندي لها قيمة لا تُقدر بثمن، والاهتمام الصادق يسبق في نظري الهدايا، والوفاء يبقى أعظم من كل مظاهر الثراء. ربما يستطيع موقف صغير، أو رسالة عابرة، أو ابتسامة صادقة، أو سؤال نابع من المحبة أن يرفع روحي إلى السماء، لأنني أنظر إلى المعاني أكثر من المظاهر، وأقيس الناس بما يحملونه في قلوبهم لا بما يملكونه في أيديهم. لقد تعلمت أن البساطة ليست ضعفًا، بل هي صورة من صور النقاء، وأن الإنسان كلما ازدادت فطرته صفاءً أصبح أكثر قدرة على تذوق الجمال في أبسط الأشياء. ومن طبعي أيضًا أنني أتغاضى كثيرًا، ليس لأنني لا أرى الأخطاء، بل لأنني أؤمن أن العلاقات الإنسانية أكبر من أن تنتهي عند كل زلة، وأن التسامح يحفظ الود أكثر مما تحفظه كثرة العتاب. كم من موقف تجاوزته حفاظًا على صديق، وكم من كلمة جارحة دفنتها في قلبي حتى لا أخسر إنسانًا له مكانته عندي، لأنني أعلم أن البشر ليسوا ملائكة، وأن لكل واحد منا لحظات ضعف وانفعال.
لكن للتغاضي حدودًا، وللصبر نهاية، فإذا شعرت أن الكرامة أصبحت تُستنزف، وأن الاحترام لم يعد متبادلًا، وأن الود صار عبئًا أحمله وحدي، فإنني أختار الرحيل بصمت، وحين أرحل لا أعود، ليس عنادًا ولا انتقامًا، وإنما لأن شيئًا في داخلي يكون قد انكسر، وبعض الكسور لا يجبرها الاعتذار مهما كان صادقًا. أحب الضحك، وأرى فيه نعمةً عظيمة، فالابتسامة في نظري ليست مجرد تعبير على الوجه، بل رسالة حياة تقول إن الأمل ما زال حاضرًا رغم كل شيء.
أبحث عن الأشخاص الذين يزرعون البهجة في الأرواح، وأحب المجالس التي تخلو من الكراهية وسوء الظن، وأكره الحزن حين يصبح عادة، وأبتعد عن كل ما يصنع التعاسة عمدًا أو يطفئ نور القلب. ليس لأن الحياة خالية من الهموم، بل لأنني أؤمن أن الإنسان يستطيع أن يواجهها بقلبٍ أخف وروحٍ أكثر إشراقًا، وأن الضحكة الصادقة قد تمنح النفس قوة تعجز عنها الكلمات الطويلة.
وقد يراني البعض متقلب المزاج، فيحكمون على النتيجة ويتجاهلون الأسباب، فلا يرون ما سبقها من مواقف أو كلمات أو تصرفات تركت أثرها في النفس، ويغفلون أن الإنسان ابن ما يمر به، وأن ردود الأفعال كثيرًا ما تكون انعكاسًا لما نتلقاه من الآخرين. ومع ذلك فإنني لا أحب أن أطيل الخصام، ولا أستريح للجفاء، وسرعان ما أبحث عن الصفاء، لأن قلبي لا يحتمل أن يحمل الضغينة طويلًا، ولا يجد راحته إلا عندما تعود المياه إلى مجاريها.
يكفي أحيانًا أن أرى ابتسامة صادقة، أو أسمع كلمة طيبة، أو ألمح رغبة حقيقية في إصلاح ما انكسر، حتى تتبدد في داخلي غيوم العتاب، وكأن شيئًا لم يكن. إن قلبي، على الرغم من كل ما مر به، ما زال يؤمن أن الخير موجود، وأن الناس يمكن أن يعودوا إلى أجمل ما فيهم إذا صدقت نياتهم.
وربما كانت هذه هي أكثر صفاتي حضورًا؛ أنني لا أُطيل حمل الأوجاع، ولا أُجيد صناعة العداوات، وأن ابتسامة صادقة في وجهي قادرة على أن تزيل جبلًا من الجفاء، وتمحو آثار الغضب، وتعيد إلى روحي صفاءها في لحظة. تلك ليست سذاجة كما يظن البعض، وإنما هي قناعة بأن الحياة أقصر من أن تُهدر في الخصومات، وأن القلوب التي تعرف الصفح هي وحدها التي تستطيع أن تنام مطمئنة كل ليلة. وهكذا أمضي في حياتي كما أنا؛ بعفويتي، ووضوحي، وبساطتي، وقلبي الذي لا يعرف إلا الصدق، مؤمنًا بأن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة إذا تمسك بمبادئه، لكنه لن يخسر نفسه أبدًا، ومن بقي وفيًا لنفسه بقيت روحه حرة، لا تُثقلها الأقنعة، ولا تُرهقها المظاهر، ولا تُفسدها المصالح، وسيظل يحمل في داخله ذلك النور الذي لا تصنعه إلا القلوب الصادقة.