Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين محدودية الدليل ووهم الاكتفاء بالمادة بقلم: أحمد علي بكري

 

بقلم: أحمد علي بكري

منذ أن أصبح المنهج العلمي التجريبي هو الأداة الرئيسة لدراسة العالم المادي، حقق الإنسان إنجازات هائلة في الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء وغيرها من العلوم التي تقوم على الملاحظة والتجربة. غير أن المشكلة لم تبدأ مع العلم ذاته، وإنما بدأت عندما تجاوز بعضهم حدود هذا المنهج، وحاول تحويله من وسيلة لدراسة المادة إلى فلسفة شاملة تفسر الوجود كله، وتنفي كل ما لا تستطيع أدواتها قياسه. وهنا نشأ ما يمكن تسميته بـ”العلم التجريدي”، وهو ذلك الاتجاه الذي لا يكتفي بدراسة الظواهر الطبيعية، بل يتعامل مع الواقع وكأن ما لم يُعثر عليه ماديًا لم يوجد أصلًا، وما لم يُقس في المختبر فلا قيمة له في تفسير التاريخ والوجود. وهذه القفزة ليست نتيجة علمية، بل انتقال من العلم إلى الفلسفة دون التصريح بذلك. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما يطرح حول حياة الإنسان الأولى، إذ يقال إن البشر كانوا يأكلون اللحوم نيئة لأن علماء الآثار وجدوا عظامًا تحمل آثار تقطيع، ولم يعثروا في بعض المواقع على مواقد أو آثار نار. غير أن هذا الاستنتاج، مهما بدا منطقيًا للبعض، لا يرقى إلى مستوى الدليل القاطع. فوجود آثار تقطيع على العظام لا يثبت سوى أن اللحم فُصل عن العظم بأداة، لكنه لا يخبرنا ماذا حدث بعد ذلك؛ فقد يكون اللحم نُقل إلى مكان آخر، أو طُبخ، أو جُفف، أو حُفظ بطريقة لا نعلمها. أما غياب آثار النار في موقع أثري، فلا يمكن أن يتحول إلى برهان على عدم استخدام النار، لأن عدم العثور على الدليل ليس دليلًا على العدم. فالسجل الأثري بطبيعته ناقص، وما بقي من آثار الحضارات القديمة لا يمثل إلا جزءًا يسيرًا من تاريخ الإنسان، بينما ضاع أكثره بفعل الزمن والكوارث الطبيعية والتغيرات الجيولوجية. ومن هنا يصبح من غير المنهجي أن يُبنى يقين تاريخي على غياب دليل مادي في موقع أو عدة مواقع، ثم يُقدَّم هذا اليقين على أنه حقيقة علمية لا تقبل النقاش. بل إن الإنسان في الأصل لا يحتاج إلى أدوات إذا كان المقصود مجرد أكل اللحم، فهو قادر بأسنانه على نهش اللحم مباشرة، خاصة في الأجزاء اللينة من الذبيحة، ولذلك فإن استخدام الأدوات لا يثبت طريقة الأكل، وإنما يثبت فقط عملية تجهيز الذبيحة وفصل اللحم عنها. وهنا يتبين أن ما يقدمه بعض الباحثين ليس دليلًا مباشرًا، وإنما سلسلة من الاستنتاجات المبنية على قرائن، والقرينة مهما بلغت قوتها لا تتحول إلى يقين مطلق. ومن المنظور الإسلامي تتسع زاوية النظر أكثر، فالإنسان لم يبدأ رحلته في الأرض ككائن بدائي يبحث عن المعرفة بالمصادفة، وإنما بدأها بخلق آدم عليه السلام وتعليمه من ربه. يقول الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وهي آية تدل على أن أصل الإنسان في الرؤية الإسلامية هو التعليم والتكريم، لا الجهل المطلق الذي يفترضه كثير من التصورات التطورية. وإذا كان الله قد علم آدم واصطفاه، فمن غير المستبعد أن يكون الإنسان الأول قد امتلك من المعارف ما يفوق ما يتصوره أصحاب النظرة المادية، حتى وإن لم يرد في النصوص الشرعية تعداد تلك المعارف تفصيلًا. ثم يأتي طوفان نوح عليه السلام بوصفه حدثًا عظيمًا غيّر مجرى التاريخ، وقد أخبر القرآن بهلاك قوم نوح، كما أخبر بهلاك أمم كثيرة أخرى. وإذا كانت حضارات كاملة قد اندثرت، فمن الطبيعي أن تضيع معها معارفها وصناعاتها وآثارها، خاصة إذا تتابعت عليها آلاف السنين من عوامل التعرية والفيضانات والزلازل وتحولات الأرض. ولذلك فإن القول بعدم وجود دليل أثري على حضارة أو تقنية معينة لا يعني بالضرورة أنها لم توجد، بل قد يعني ببساطة أن الدليل لم يصل إلينا. وهذا ما يقر به علماء الآثار أنفسهم عندما يؤكدون أن السجل الأثري غير مكتمل، وأن معظم ما عاشه الإنسان القديم لم يُحفظ في الأرض. وهنا يبرز التناقض؛ إذ يُقال إن السجل الأثري ناقص عندما يُسأل عن غياب أدلة تؤيد فرضية معينة، ثم يتحول السجل نفسه إلى مصدر يقين عندما يُراد نفي احتمال آخر. إن هذا الانتقائية لا تنتمي إلى المنهج العلمي بقدر ما تنتمي إلى التفسير الفلسفي. إن المشكلة الحقيقية ليست في العلم التجريبي، بل في تحويل حدوده المنهجية إلى عقيدة فكرية. فالعلم لا يستطيع أن يدرس إلا ما يقع ضمن نطاق المادة والقياس والتجربة، أما الغيب فلا يخضع لأجهزته ولا لمختبراته. وعندما يُستبعد الغيب ابتداءً من تفسير التاريخ والوجود، فإن هذا الاستبعاد ليس نتيجة توصل إليها العلم، بل افتراض سابق على البحث. فالمنهج العلمي لا يستطيع إثبات وجود الله ولا نفيه، ولا يستطيع الحكم على الوحي، لأنه ببساطة لم يُصمم لهذا النوع من الأسئلة. ولذلك فإن الادعاء بأن العالم وجد بمحض الصدفة، أو أن الإنسان بدأ جاهلًا ثم صنع كل شيء بنفسه، ليس حقيقة علمية خالصة، وإنما رؤية فلسفية تتبنى تفسيرًا ماديًا للوجود. ومن هنا ينبغي التمييز بين العلم بوصفه وسيلة لاكتشاف قوانين الكون، وبين الفلسفة التي تحاول تفسير أصل الكون ومعناه. فالعلم يجيب عن سؤال: كيف تعمل الأشياء؟ أما سؤال: لماذا وُجدت الأشياء أصلًا؟ فهو سؤال يتجاوز حدود المختبر. إن الإيمان بالله لا يعارض البحث العلمي، بل يمنحه إطارًا أوسع، يجعل النظام والدقة والقوانين دلائل على الحكمة، لا على المصادفة. أما تحويل قصور الأدلة إلى إنكار لما وراء المادة، فهو انتقال من البحث العلمي إلى الإيمان بفلسفة مادية لا تستطيع هي الأخرى أن تقدم برهانًا تجريبيًا على دعاواها. ومن هنا فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن كثيرًا مما يقدَّم بوصفه حقائق عن بدايات الإنسان ليس سوى استنتاجات مبنية على أدلة ناقصة، وأن الإيمان بالوحي لا يتعارض مع العقل، بل يفتح بابًا لفهم التاريخ الإنساني بما يتجاوز حدود ما بقي محفوظًا في طبقات الأرض، لأن الحقيقة لا تُختزل فيما وصل إلينا من الآثار، ولا ينحصر الوجود فيما تستطيع المجاهر وأجهزة القياس أن ترصده.

Exit mobile version