بقلم /
عبدالله آل سالم القحطاني :جدة:-
في منتصف هذا الشهر تماما ، يكون قد مضى ثماني سنوات على رحيل الكاتب الكبير عبدالله خياط – رحمه الله – ، لكن بعض الكتّاب لا تقاس أعمارهم بما مضى منذ غيابهم، بل بما بقي من حضورهم في الذاكرة. فالكلمة الصادقة لا تعرف التقادم وتعيش أطول من أصحابها ، والأثر الجميل لا يمحوه الزمن، ولهذا لا يبدو الحديث عن عبدالله خياط استعادةً لماضٍ بعيد، بقدر ما هو لقاء متجدد مع رجلٍ عاش للكلمة، فعاشت كلماته بعده.
ولد عبدالله خياط في مكة المكرمة عام 1936، وظلت مكة ترافقه حتى رحيله عام 2018 حياة امتدت بين الكلمة والإنسان ، وبين الصحافة والأدب ، حتى أصبح واحدا من الأسماء التي يصعب الحديث عن تاريخ الصحافة السعودية دون أن يكون له فيها موضع واضح .
ولعل أجمل ما يلفت في سيرته أنه لم يكن من الكتاب الذين صنعوا حضورهم بالصخب،بل بالهدوء . كان يؤمن أن الكلمة الرصينة أطول عمرا من العبارة الصاخبة ، وأن إحترام عقل القارئ هو الطريق الأقصر إلى قلبه ، ولذلك بقي أثره في الناس أكبر من حضوره في الأضواء .
بدأت علاقته بالصحافة مبكرا ، ثم امتدت رحلته معها أكثر من واحد وخمسين عامًا، تنقل خلالها بين صحيفتي البلاد وعكاظ ، وكتب في زمن كانت المقالة تُصاغ على مهل، وتُنتقى كلماتها بعناية، لأن الكلمة لم تكن تُكتب لتملأ مساحة، بل لتبقى في ذاكرة القارئ. ولم يكن يسعى إلى إثارة الجدل ، ولا يلاحق العناوين اللافتة ، بل كان يفتش عن الفكرة الهادئة التي تبقى في ذهن القارئ بعد أن يطوي الصفحة . ولهذا أصبحت زاويته ( مع الفجر) أكثر من مجرد زاوية صحفية ، كانت موعدا ينتظره كثير من القراء ، لأنها جاءت شبيهة بصاحبها ؛ هادئة، متزنة ، بعيدة عن الضجيج ، تحمل للقارئ فكرة ناضجة أكثر مما تحمل انفعالًا عابرًا، وتدعوه إلى التأمل أكثر مما تدعوه إلى التصفيق
ولم يكن عطاؤه محصورًا في الصحافة اليومية ، فقد ترك مؤلفات عديدة كشفت عن تنوع اهتماماته واتساع أفقه . ففي كتابه (مكة التي أحبها) كتب عن المدينة التي أحبها وسكنت وجدانه بعين ابنها الوفي، فخرج الكتاب أقرب إلى شهادة حب لمكة منه إلى كتاب يؤرخ لها.، وبقيت حاضرة في كثير من كتاباته ، كما بقيت ملامحها حاضرة في شخصيته .
وفي كتاب ( 100كتاب في كتاب) أراد أن يهدي الآخرين خلاصة رحلته الطويلة مع الكتب، مقدمًا عصارة تجربة قارئ عاش عمره بين الكتب قبل أن يعيش بين أعمدة الصحف.
أما كتاب ( مع الفجر) فقد جمع جانبا من تجربته الصحفية والفكرية ، بينما جاء (صحافة الأمس والغد) خلاصة تجربة صحفي عايش تحولات المهنة، فكتب عنها بعين الخبير الذي يحترم ماضيها، ويتطلع إلى مستقبلها دون أن يتخلى عن أصولها. وفي كتاب ( النصر نحن صنعناه ) وثق مرحلة وطنية بروح الشاهد الذي آمن بأن الإنجازات الكبرى لا يصنعها الحظ، وإنما يصنعها الإنسان حين يخلص لوطنه وعمله. في حين أن كتاب ( النزاهة الشامخة) الذي خصصه للحديث عن الأستاذ محمد عمر توفيق، كان في جوهره احتفاءً بقيمة النزاهة قبل أن يكون احتفاءً بصاحبها، وهي القيمة التي ظل عبدالله خياط يدافع عنها بقلمه كما عاشها في سيرته. وإلى جانب كل ذلك، ترك عددًا من المؤلفات الإسلامية منها كتاب ( الرسول وخلفاؤه ) التي كشفت عن عمق ثقافته الدينية ، واهتمامه بالسيرة النبوية والفكر الإسلامي، حتى بدا واضحًا أن الثقافة عنده لم تكن منفصلة عن الإيمان، وأن الكلمة الصادقة كانت وجهًا آخر للقيم التي عاش بها.
ولمكانته المهنية، حظي عبدالله خياط بثقة قادة هذا الوطن. فقد رافق الملك فيصل ـ رحمه الله ـ في عدد من رحلاته الدولية، وهي مهمة لم تكن تُسند إلا لصحفي يحظى بالثقة والكفاءة. وفي مرحلة لاحقة أجرى مع الملك فهد ـ رحمه الله ـ حوارًا صحفيًا شاملًا، ولم تكن تلك اللقاءات مجرد مناسبات بروتوكولية ، بل كانت انعكاسا لمكانة كاتب عرف بالإتزان ، والصدق ، واحترام الكلمة ، حتى أصبح إسمه محل تقدير في الأوساط الصحفية والثقافية .
ولم يكن ذلك التقدير الذي ناله عبدالله خياط وليد لحظة عابرة، بل كان ثمرة رحلة طويلة من العمل الهادئ والمتقن. وبعد واحد وخمسن عاما من العطاء ، كرمته صحيفة ( عكاظ ) إحتفاءا بمسيرة إستثنائية صنعت جزءا من ذاكرة الصحافة السعودية وإمتدت أكثر من نصف قرن ، وصدر بهذه المناسبة كتاب ( الرمز ) الذي ضم شهادات نخبة من الأدباء والكتاب والإعلاميين ممن عرفوه عن قرب وعملوا معه أو تتلمذوا على تجربته ، ولم يكن ذلك الكتاب من تأليفه ، بل كان أجمل ما فيه أنه قدم صورة رسمها الآخرون لرجل ظل طوال حياته بعيدا عن إدعاء البطولة ، قريبا من قلوب محبيه .
كما كرمه نادي مكة الثقافي الأدبي مرتين ، إضافة إلى تكريمه في القاهرة لرحلته الطويلة في مجال الكتابة الصحفية اليومية لمدة تزيد عن 50 عاما ، وتوج بتسليمه درع إتحاد الصحافيين العرب بمناسبة مرور نصف قرن على تأسيس الإتحاد في احتفالية تكريم عدد من رموز العمل الصحفي في الوطن العربي برعاية رئيس الوزراء المصري وحضور ممثلي 18 دولة وحوالي 250 من أعضاء نقابات الصحافة العربية ، وكبار الكتاب العرب وممثلي منظمة الاتحاد العربي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والجامعة العربية .
ومع ذلك، لم يكن ذلك التكريم نهاية الطريق، فقد ظل يكتب بعده قرابة أربع سنوات، محتفظا بالشغف نفسه وكأنه كان يؤمن أن الكاتب لا يتقاعد عن رسالته، وأن القلم لا يعرف سنًا للتوقف ما دام العقل حاضرًا، وما دامت الكلمة قادرة على أن تضف شيئًا إلى قارئها. وأن التكريم لحظة امتنان ،لا لحظة وداع .
غير أن أكثر ما قرّب عبدالله خياط إلى نفسي ، كان ماعشته بعد سنوات من قراءتي له .فقد اعتدت، بعد الصلاة في المسجد المجاور ، أن ألتقي رجلًا هادئًا، بشوشا، كريم اللقاء، لا يتكلف الحديث، ولا يتصنع المودة، لكنه يترك في النفس أثرا جميلا منذ اللقاء الأول. كانت مجالسته خفيفة، وابتسامته صادقة، وأدبه يسبق حديثه، حتى شعرت، مع مرور الأيام، أنني أعرفه منذ زمن بعيد. ومع الأيام توثقت المعرفة بيننا ، ثم علمت أن ذلك الرجل هو المهندس زهير عبدالله خياط ، ولم تكن تلك اللقاءات سببا في أن أعرف عبدالله خياط الكاتب ، فقد عرفته منذ سنوات ، لكنها قربتني من الإنسان الذي يقف خاف تلك الكلمات ، ومنحتني فرصة أن أرى شيئا من أثره باقيا في إبنه ، وفي محبة من عرفوه . وفي تلك الأخلاق التي لا تصنعها الأيام وحدها ، وإنما تصنعها البيوت التي تربى فيها أصحابها على الوفاء والتواضع واحترام الناس .
ولم يكن المهندس زهير كثير الحديث عن والده، ولم يكن يستدعي اسمه في كل مناسبة، بل كان يذكره بقدر من المحبة الهادئة التي لا تحتاج إلى إظهار. وربما كان ذلك في حد ذاته أجمل صور الوفاء؛ أن يبقى الأب حاضرًا في السلوك قبل أن يكون حاضرًا في الكلام.
وذات يوم، فاجأني بإهدائي مجموعة من مؤلفات والده ، كانت هدية ثمينة ، لكن ماشدني واستوقفني أكثر من الكتب نفسها ، كان الإهداء الذي كتبه بحط يده ، فإذا به مكتوب بالحبر الأخضر ، وتوقفت طويلًا أمام ذلك اللون. فقد عُرف عبدالله خياط بارتباطه بالحبر الأخضر في كتاباته ، حتى أصبح ذلك اللون جزءًا من صورته في ذاكرة زملائه ومحبيه. ولم يكن اللون في ذاته هو ما استوقفني، بل ما يحمله من معنى.
وحين أبديت للمهندس زهير إعجابي بهذا التفصيل الصغير، ابتسم وشعرت أن الأمر لم يكن مجرد اختيار لون، بل رسالة وفاء رقيقة، أراد بها أن يبقي شيئًا من حضور والده حيًا، حتى في لون الحبر. كانت لفتة صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها، لأنها قالت، دون كلمات، إن بعض الآباء لا يورثون أبناءهم الأسماء وحدها، بل يورثون أبناءهم القيم والوفاء أحدها . وأيضا في تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة ، لكنها تختصر حياة كاملة ، وربما لهذا السبب كان الحبر الأخضر ، في نظري ، أكثر من لون ، كان ذكرى ورسالة وجسرا أعاد صاحبه الى الذاكرة في لحظة واحدة .
لقد تغيرت الصحافة كثيرًا، وتبدلت أدواتها، وتعاقبت أجيال من الكتّاب، لكن القيم والمبادئ التي عاش بها عبدالله خياط لا تزال صالحة لكل زمان؛ من احترام الكلمة، واحترام القارئ، والهدوء في الطرح، والابتعاد عن الصخب، والإيمان بأن المقالة الجيدة لا تعيش لأنها الأعلى صوتًا، بل لأنها الأصدق معنى. ولهذا السبب بقي عبدالله خياط حاضرا في ذاكرة الناس ، لا لأنه كتب آلاف المقالات ، ولا لأنه أمضى أكثر من نصف قرن في الصحافة ، وإنما لأنه عاش كما كتب ، وكتب كما آمن .
ولعل هذا هو ما يجعل الحديث عن عبدالله خياط اليوم مختلفا ، فنحن لا نستعيد صحفيا مخضرما فحسب ، ولا نستعرض قائمة من الكتب والمناصب والتكريمات ، وإنما نستحضر نموذجا لجيل رأى في الكلمة رسالة ، وفي الصحافة مسؤولية ، وفي الثقافة بناء للإنسان قبل أن تكون صناعة للرأي .
وربما لا يحتاج عبدالله خياط اليوم إلى من يعدد مناصبه، أو يحصي سنوات عطائه، أو يستعرض قائمة مؤلفاته، فذلك كله محفوظ في ذاكرة الصحافة السعودية. أما ما يبقى حقًا، فهو تلك السكينة التي حملتها كلماته، والاحترام الذي تركه في نفوس قرائه، والوفاء الذي لمسته فيمن عرفوه عن قرب. وتلك، في النهاية، هي السيرة التي لا تكتبها الكتب وحدها، بل تكتبها الحياة.
لقد عاش عبدالله خياط يكتب مع الفجر، ورحل، لكن ضوء ذلك الفجر ما زال يضيء صفحات كثيرة في ذاكرة الصحافة السعودية ، ولهذا يبقى الأثر.

