Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين تتكلّم الأرواح… وتصبح الحروف رسائل لا تُرى

عبدالله شراحيلي

ليست كلُّ الرسائل تُكتَب على الورق، ولا كلُّ الكلمات تُقال بالأصوات؛ فهناك رسائلٌ تُولد في الأعماق، ثم تشقُّ طريقها إلى القلوب دون أن تستأذن، تحملها النظرات أحيانًا، ويترجمها الصمت أحيانًا أخرى، حتى يغدو الإحساس لغةً كاملةً لا تحتاج إلى قاموس.

إنَّ الرسائل الروحية لا تُقاس بعدد الكلمات، بل بصدق المشاعر التي تسكنها. فقد يكتب إنسانٌ سطرًا واحدًا، لكنه يترك في القلب أثرًا لا تمحوه السنون، بينما تمضي الصفحات الطوال خاويةً من الدفء لأنها كُتبت بالحبر لا بالروح.

كلُّ حرفٍ صادقٍ هو نبضةُ قلب، وكلُّ فاصلةٍ لحظةُ تأمل، وكلُّ نقطةٍ نهايةُ شعورٍ وبدايةُ آخر. وحتى علامات الترقيم ليست مجرد رموزٍ لغوية، بل هي أنفاسُ الكاتب حين يضيق صدره، وابتسامته حين يفرح، ودمعته حين يعجز الكلام عن حمل ما في داخله.

ولعلَّ أجمل ما في الأرواح أنها لا تخطئ العنوان؛ فهي تعرف أصحابها مهما باعدت بينهم المسافات، وتفهم الهمسة وإن غابت الأصوات، وتقرأ ما بين السطور قبل أن تقرأ السطور نفسها. لذلك نجد بعض الرسائل تصل إلى القلب في لحظة، وكأنها كُتبت بلغةٍ كان القلب ينتظرها منذ زمن.

إنَّ الإنسان قد ينسى تفاصيل حديثٍ طويل، لكنه لا ينسى شعورًا صادقًا لامس روحه. فالكلمة التي خرجت من قلبٍ نقيٍّ تستقرُّ في قلبٍ آخر كما تستقرُّ قطرةُ المطر في أرضٍ عطشى، فتُزهر فيها الطمأنينة، وتنبت منها بذور الأمل.

وليس عجيبًا أن تكون بعض الرسائل بلا كلمات؛ فدعوةٌ صادقة، أو ابتسامةٌ هادئة، أو سؤالٌ عابرٌ عن الحال، قد يحمل من المعاني ما تعجز عنه الخطب والقصائد. فالأرواح لا تبحث عن البلاغة بقدر ما تبحث عن الصدق، لأن الصدق هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.

وحين نكتب، فلنكتب بقلوبنا قبل أقلامنا، ولنجعل للحروف روحًا تنبض، وللفواصل رحمة، وللنقاط حكمة؛ فالكلمات التي تخرج من القلب لا تتوقف عند حدود العيون، بل تسافر إلى أعماق الأرواح، وهناك تبقى… شاهدةً على أن أجمل الرسائل ليست تلك التي نقرأها، بل تلك التي نشعر بها.

Exit mobile version