Site icon صحيفة صدى نيوز إس

حين تُستهدف الكلمة… تبدأ عاصفة الوعي

الإعلامي/ عادل بن محمد البكري

هناك لحظات في حياة الكاتب يدرك فيها أن المواجهة لم تعد مع الفكرة التي طرحها، ولا مع القضية التي ناقشها، بل أصبحت موجهة نحو شخصه وقلمه؛ حين تتحول الكلمة من مساحة للحوار إلى هدف لمحاولات متعددة تسعى إلى التأثير على صاحبها أو إبعاده عن رسالته.

فالكاتب الذي يحمل مشروع الوعي لا يكتب بحثًا عن الإعجاب، ولا يسعى إلى إرضاء الجميع، لأن طبيعة الفكر أن يفتح أبواب النقاش ويثير التساؤلات ويبحث عن الحقيقة.

 والاختلاف مع الأفكار أمر طبيعي في المجتمعات،

 لكن المشكلة تبدأ عندما يغادر الخلاف ميدان الفكر ويتحول إلى محاولات لاستهداف الكاتب بدل مناقشة ما يطرحه.

ومن صور الضغط التي قد تواجه بعض أصحاب الأقلام، محاولة استخدام الدوائر الاجتماعية والعائلية كوسيلة للتأثير، من خلال نقل الخلاف من مساحة الرأي والفكر إلى المساحات الخاصة، وإقحام العلاقات الأسرية في قضايا فكرية لا علاقة لها، عبر أساليب تهدف إلى فتح الخلافات أو ممارسة التحريض غير المباشر.

إلا أن الكاتب الواعي يدرك تمامًا طبيعة هذه المحاولات، ويعرف خلفياتها ومن يقف وراءها، كما يعي متى يتحدث ومتى يصمت؛ لأن الصمت أحيانًا يكون موقفًا، والكلمة في وقتها تكون رسالة.

 ثم يعود إلى قلمه ليواجه هذه التيارات المفسدة بالفكر والوعي والحجة، مؤكدًا أن رسالة الكلمة الواعية لا تتوقف أمام محاولات التشويش أو الضغوط غير المباشرة.

 فهذه الأساليب لا تصنع حوارًا، بل قد تفتح أبوابًا من التوتر والخلاف داخل البيئة المحيطة بالكاتب، بعيدًا عن جوهر القضية الأساسية.

كما قد تظهر محاولات غير مباشرة عبر أطراف وسيطة أو ما يشبه التحرك بالوكالة، من خلال نقل رسائل أو إثارة مواقف جانبية أو خلق أجواء من التشويش حول الكاتب، بهدف الضغط عليه أو التأثير على حضوره.

 وهي محاولات تكشف أن المواجهة لم تعد مع الفكرة نفسها، بل أصبحت محاولة للالتفاف حول صاحبها.

إن اللجوء إلى هذه الأساليب لا يمثل قوة، بل يكشف ضعف القدرة على مواجهة الحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة؛ فصاحب الفكر الواثق لا يحتاج إلى الضغوط الخفية، بل يواجه بالنقاش، ويقدم الدليل، ويحترم اختلاف الآخرين.

وقد عرف التاريخ أن بعض التيارات والجماعات ذات الخطاب المغلق قد تستخدم أساليب الضغط غير المباشر عندما تعجز عن مجاراة الحوار الفكري، فتسعى إلى نقل المعركة من ساحة الأفكار إلى ساحة الأشخاص والعلاقات.

 إلا أن الوعي يبقى قادرًا على كشف هذه الأساليب وتمييز النقد المسؤول عن محاولات التأثير والتشويش.

فالكاتب الحقيقي لا يخشى الاختلاف، ولا يبحث عن طريق خالٍ من المعارضين ، لأنه يدرك أن الكلمة المؤثرة دائمًا ما تترك أثرًا، وأن الأفكار التي تحمل قيمة قد تواجه مقاومة قبل أن تجد طريقها إلى العقول.

وحين تُستهدف الكلمة، تبدأ عاصفة الوعي؛ عاصفة لا تهدم، بل تكشف، ولا تُسكت الأصوات، بل تبرز أهمية الحوار المسؤول. فالكلمة الصادقة قد تواجه الرياح، لكنها تبقى ثابتة ما دامت تستند إلى المعرفة والموضوعية والإيمان برسالة القلم.

وفي النهاية.

 يبقى القلم الذي يحمل هدفًا نبيلًا أقوى من محاولات التشويش، لأن قوة الكلمة لا تأتي من غياب من يعارضها، بل من قدرتها على الصمود أمام الاختبار.

فالكلمة قد تُستهدف… لكنها حين تُكتب بوعي تصبح بداية لعاصفة من الحقيقة لا يمكن إيقافها.

Exit mobile version