ماذا عساي أن أقول، وقد ضاقت الحروف عن حمل ما يختلج في الصدور، وعجزت الكلمات أن تبلغ منزلة الشعور؟ وكيف يبوح القلب بكل ما فيه، وهو يعلم أن بعض الأحزان لا تُقال، وبعض الخيبات لا يليق بها إلا الصمت؟
لقد علمتني الحياة أن الإنسان لا يُعرف بكثرة حديثه، وإنما تُعرَف قيمته بثبات مواقفه، ونبل أخلاقه، وصدق كلمته، وأن العمر مهما طال، فإن أجمل ما يتركه المرء خلفه سيرةٌ طيبة، وذكرٌ حسن، وأثرٌ لا تمحوه الأيام.
«إذا ضاقَ صدري قلتُ: يا ربِّ إنني
أتيتُ إليكَ، وأنتَ أكرمُ من دُعِي
فما خابَ عبدٌ مدَّ كفَّ رجائِهِ
إلى اللهِ، إلا عادَ بالفضلِ مُكتفي»
تعلمت أن الكرامة ليست كلمة تُرفع في الخطب، بل خلقٌ يلازم صاحبه في الرخاء والشدة، وأن الصبر ليس ضعفًا، بل قوة لا يملكها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. وتعلمت أن الصدق قد يُتعب صاحبه، لكنه لا يُذله، وأن المبادئ قد تُكلّف كثيرًا، لكنها لا تُورث إلا العزة.
ولم أعد ألتفت إلى ضجيج المادحين، ولا إلى سهام المنتقدين، لأن رضا الناس غاية لا تُدرك، أما رضا الله فهو الغاية التي تستحق أن تُطلب.
«دعِ الناسَ… إنَّ الناسَ بحرُ تقلبٍ
فلا تجعلِ الأمواجَ تحكمُ مَرسَاكَ
وعِشْ شامخًا، فالعزُّ يسكنُ من غدا
على الحقِّ، لا يخشى الملامةَ أو هلاكَهْ»
ما أكثر الذين يظنون أن النجاح عنوانه الشهرة، وأن الظهور هو المقياس، بينما الحقيقة أن النجاح هو أن تنام مطمئن الضمير، وأن تلقى الله بقلبٍ لم يحمل ظلمًا، ولسانٍ لم ينطق زورًا، ويدٍ امتدت للخير لا للأذى.
ولقد أيقنت أن الحياة تمضي، وأن الوجوه تتغير، وأن المناصب تزول، وأن الأسماء قد تُنسى، ولكن يبقى العمل الصالح، وتبقى الكلمة الصادقة، ويبقى الدعاء الذي يخرج من قلب محب.
«سيبقى الجميلُ وإن توارى أهلُهُ
ويخبو الضجيجُ وإن تعالى صوتهُ
ويبقى الأصيلُ وإن تنكَّرَ عصرُهُ
فالأصلُ أصلٌ… لا يغيِّرُهُ الزمانُ»
وحين تضيق بي الدنيا، لا أطرق بابًا أعظم من باب الله، ولا أرفع حاجتي إلا لمن بيده ملكوت كل شيء، فهو الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، ويشرح الصدر، ويبدل العسر يسرًا.
فما أجمل أن يعيش الإنسان كريم النفس، ثابت المبدأ، نقي السريرة، لا يبيع ضميره بثمن، ولا يغيره بريق المصالح، لأن من كانت قيمه راسخة، بقي عالي المقام وإن قلّ ظهوره، ومن كانت غايته رضا الله، فلن يضره أن يتأخر عن موكب المظاهر.
«إذا ساءَ ظنُّ الناسِ يومًا بموقفي
فحسبي بأنَّ اللهَ يعلمُ نيَّتي
وإن ضاقَ دربي فاليقينُ رفيقُهُ
وإن طالَ ليلي… فالصباحُ هديَّتي
فما خُلِقَ الإنسانُ إلا عابرًا
ويبقى من الأعمالِ طيبُ السيرةِ
فخذْ من حياتِكَ ما يليقُ بذكرِها
فإنَّ البقاءَ لجميلِ الأثرِ… لا لطولِ العُمُرِ.»
وفي الختام… ماذا عساي أن أقول؟
سأقول: الحمد لله على ما مضى، والحمد لله على ما يأتي، والحمد لله في كل حال. فما خاب قلبٌ جعل ثقته بالله، ولا ضاع إنسانٌ جعل الصدق منهجه، والإحسان طريقه، والكرامة عنوان حياته.