ا/ نزار رفاعي،
اضطررت هذا الصباح إلى الذهاب إلى عملي عبر تطبيق “كريم” بعد أن باغتتني سيارتي بعطلٍ فنيٍّ صغير. ظننت أن الأمر لن يتجاوز دقائق من الصمت المعتاد بين سائق وراكب، وحديثاً عابراً عن حالة الطقس أو ازدحام الطريق.
لكن بعض المشاوير تأتي محمّلة بما هو أجمل من الوصول.
كان السائق من خارج المنطقة، وأخبرني أنه زارها قبل سنوات طويلة، ثم عاد إليها اليوم. وبين الزيارة الأولى وهذه العودة، لم يكن يتحدث عن مدينةٍ عرفها، بل عن مدينةٍ يكاد لا يعرفها من فرط ما تبدلت وتغيرت.
قالها بعفويةٍ لا تعرف المجاملة: “التطور الذي شهدته المنطقة مذهل”.
لم يكن يعلم أنه منحني في تلك اللحظة شهادةً لا تصدر عن تقريرٍ رسمي، ولا تُكتب في لوحة مؤشرات الأداء، ولا تُعلن في مؤتمر صحفي. إنها شهادة الزائر الذي لا يحمل في قلبه إلا ذاكرة المقارنة بين الأمس واليوم.
نحن – أبناء المكان – كثيراً ما تعتاد أعيننا المشهد اليومي، فلا نعود نلتفت إلى حجم التحول الذي يحدث أمامنا. نتذمر أحياناً من مشروعٍ تأخر، أو نختلف حول تفصيلةٍ هنا وهناك، وننسى أن التنمية ليست صورةً ثابتة، بل رحلةٌ طويلة تتراكم فيها الإنجازات حتى يراها القادم من بعيد أكثر وضوحاً ممن يعيش تفاصيلها كل يوم.
الغريب أن أكثر من يحدثنا عن جمال مدننا هم أولئك الذين يغادرونها ثم يعودون إليها. فالعائد بعد غياب يرى ما لا نراه، ويقارن بين صورةٍ احتفظ بها في ذاكرته وصورةٍ جديدةٍ يراها بعينيه، فيندهش حيث اعتدنا، ويُثني حيث ألفنا المشهد.
ذلك السائق لم يكن مسؤولاً، ولا إعلامياً، ولا صاحب مصلحة. كان مجرد شاهدٍ مرَّ من هنا، فشهد بما رأى.
وفي طريقٍ لم يستغرق سوى دقائق، أدركت أن التنمية الحقيقية لا تحتاج دائماً إلى من يتحدث عنها، فهي تتحدث عن نفسها حين ينطق بها الزوار قبل أهلها.
كان مشواراً عبر “كريم”، لكنه انتهى بكلماتٍ كريمة، أعادت إلى ذاكرتي أن ما يحدث حولنا يستحق أن نتأمله أكثر، وأن نفرح به أكثر، وأن نمنحه شيئاً من الإنصاف قبل أن نعتاد عليه

