الطائف – مشعل الثبيتي. متابعات
بين صهيل الخيل وجمال المكان، وتحت سماء الطائف التي حكت عنها العرب أجمل القصائد، عاد الزمن بخمس سنوات إلى الوراء، في مشهد إنساني أسر القلوب قبل أن تلتقطه العدسات.
في ردهات ميدان الملك خالد، أحد أعرق ميادين سباقات الخيل في المملكة والذي يستقبل الفرسان والزوّار منذ عام 1965، كان اللقاء الذي لم يكن مجرد مصادفة، بل قصة وفاء خطّها طفل صغير بعفويته، وأمير كبير بتواضعه.
إنه الطفل ناصر بن أحمد المضايفي العدواني، حفيد الزميل الإعلامي محمد بن حميد العدواني (أبو عمر)، الذي لم ينسَ لحظة جميلة جمعته قبل خمس سنوات بصاحب السمو الملكي الأمير بندر بن خالد الفيصل، رئيس مجلس إدارة الهيئة العليا للفروسية ورئيس مجلس إدارة نادي سباقات الخيل. كان ناصر يومها في الثانية والنصف من عمره، طفلاً صغيراً لا يدرك حجم اللحظة، لكن الزمن كفيل بأن يجعل الصغار كباراً، ويجعل الذكريات أغلى.
لم يكتفِ الطفل ناصر باللقاء العابر، بل جاء حاملاً بين يديه بروازاً أنيقاً يضم صورة ذلك اللقاء الأول، وقد زُينت بأبيات شعرية بديعة للشاعر الكبير حامد الشريف (أبو هاشم)، الذي أبحر بخياله حين رأى الصورة لأول مرة، فنظم قائلاً:
ما بين ناصر والأميرْ
وحضورْ ليس لهُ نظيرْ
شعّت لناصر بسمةً
تهدي التحايا للحضورْ
بعقاله القصب الجميل
عقال فيصلنا الكبيرْ
وكأن خنجره يقول
لله درك يا صغيرْ
مثلت طائفنا الجميل
تمثيل ربانٍ خبيرْ
عندما تقدم ناصر بهدية الذكرى، لم يخفِ سمو الأمير بندر بن خالد دهشته وسروره، بل استقبلها بكل ترحيب واعتزاز، متأملاً ملامح الطفل الذي كبر، ومستعيداً تفاصيل اللقاء الذي مضى، معبراً عن إعجابه الشديد بالبيات الشعرية التي زينت الصورة. وفي لفتة أبوية كريمة، أعرب سموه عن رغبته بأن يكتب الشاعر أبو هاشم قصيدة جديدة تضاف إلى الأولى، ليظل هذا المشهد الإنساني مخلداً بين سطور الشعر.
وكان للمكان حضورٌ لا يقل جمالاً عن الحدث نفسه؛ فميدان الملك خالد بالطائف، الذي يحتضن هذه المنافسات منذ أكثر من نصف قرن، شهد على مر العصور بطولات الفرسان، ويجسد اليوم نهضة الفروسية السعودية التي تجمع بين أصالة الماضي وحداثة الحاضر، في ظل دعم القيادة الرشيدة -أعزها الله- لهذه الرياضة التي تعكس هوية العرب.
وازدان الموقف بحضور صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن أحمد بن عبدالعزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير فواز بن سلطان بن عبدالعزيز محافظ الطائف، الذي أضفى بابتسامته العذبة وتواضعه الجم على اللقاء طابعاً عائلياً حميمياً، مؤكداً أن مسؤولي هذه البلاد هم أهل للقرب والود، يعرفون مواطنيهم واحداً واحداً، ويدركون قيمة اللحظات الإنسانية التي قد يظن البعض أنها صغيرة، لكنها في حقيقتها كبيرة بمعانيها.
لقاء بهيج، وموقف نادر، جسّد كيف أن الفروسية السعودية ليست مجرد رياضة، بل أسلوب حياة يحمل معاني الفخر والوفاء والأصالة، يرويها أمير، ويحفظها طفل، ويخلّدها شاعر، في ميدان تظلله ذاكرة الزمن في قلب الطائف.

