سباق المظاهر: كيف ندمر حياتنا بمقارنات ورغبات لا تنتهي؟
صدى نيوز اس 1
بقلم / محمد فريح
لواء متقاعد
حين يقع بعضنا في فخ الخوارزميات الجذابة، فهو لا يكتفي بمجرد تصفح عابر لشاشة هاتفه، بل يفتح باباً واسعاً على سجن قاتل اختاره بنفسه. في هذا العالم الافتراضي البراق، تحولت الحياة إلى عرض مستمر من المظاهر الخادعة: طائرات ويخوت وسيارات فارهة، إجازات استثنائية، سفريات هوليوودية، وابتسامات عريضة تُصنع خصيصاً لعدسات الكاميرا. وهنا تبدأ المأساة الصامتة؛ مأساة “المقارنة”.
لم يعد الإنسان يرضى بما قسمه الله له، بل أصبح يقيس قيمة حياته وسعادته على ميزان حياة الآخرين وسعادتهم، منهمكاً في دوامة استنزفت طاقته الفكرية وأرهقت صحته النفسية.
عينٌ ترى النعمة وتعمى عن النقمة
الخطأ الجذري في التفكير المقارن يكمن في ازدواجية النظر؛ فالإنسان حين يقع في هذا الفخ، ينظر بعين واحدة: عين النعمة الظاهرة.
ينظر إلى التاجر الثري كأنه وُلد في جنة قطوفها دانية، غافلاً عن حقيقة أن الرجل ربما ينام على حبات المنوم، أو يكابد مرضاً عضالاً لا يملكه ثمن شرائه، أو أن ابنه الوحيد يضيع في مستنقع المخدرات. وينظر إلى تفوق أبناء الجيران، ولا يرى عقوقهم المستتر خلف جدران بيتهم الباذخ.
إننا ننظر دائماً إلى المظاهر ونغفل تماماً عن ما خلفها من مأسي وبلايا ومصائب. ننسى حكمة البصيرة التي تجعلنا ندرك أن الابتلاءات مقسمة بين العباد بالعدل، وأن ما عند الآخرين من نعمة قد تخفيه جبال من النقم والهموم التي لا تظهر على واقعهم.
العالم الافتراضي.. مسرحية وهمية بتكلفة باهظة
في عصرنا الحالي، ضاعفت منصات التواصل الاجتماعي من حدة هذه الأزمة. أصبح العالم الافتراضي مرآة سراب تعكس زيفاً قاتلاً يؤثر بعمق على استقرار الأسر وحياة الأزواج.
أصبح هناك تسابق محموم نحو “التقليد الأعمى”، حتى وإن كان على حساب الاستقرار المالي؛ قروض تراكمت، وديون أهلكت الكواهل، وكل ذلك في سبيل مجاراة مظاهر خادعة. الغالبية العظمى لا تفطن إلى أن الكثير مما يُعرض هو مجرد مشاهد مؤقتة ومستأجرة: طائرات خاصة لاستعراض عابر، فيلات فاخرة أُخذت لساعات معدودة، وسيارات تُقسّط لعمر كامل من أجل لقطة كاذبة تلتقي فيها مصالح “المؤثرين” وأصحاب المصالح.
الوصية النبوية الخالدة: الدواء الناجع
لقد عالج الإسلام هذه النفسية البشرية الضعيفة قبل قرون طويلة بتوجيه نبوي دقيق وعملي، يلخص أعمق قواعد السلام النفسي حين قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم).
هذا التوجيه ليس دعوة للتشاؤم أو الركون للضعف، بل هو إعادة ضبط لبوصلة الحياة. حين تُدقق النظر فيما عند من هو أقل منك صحة، أو مالاً، أو استقراراً، يرتد إليك اليقين وتدرك حجم النعم المحاط بها والتي اعتدت عليها حتى نسيت شكرها.
خلاصة القول
السعادة الحقيقية لا تُبنى على أنقاض المقارنات الزائفة، ولا تُشترى ببريق الخوارزميات. حين يدرك الإنسان أن حياته خاصة به، وأن لكل بيت أفراحه وأحزانه، سيتوقف عن الركض خلف سراب الآخرين.
علينا التخلص من نظرة المقارنة، ونعود إلى استشعار ما بين أيدينا، فحينها فقط تعود الطمأنينة والقناعة إلى حياتنا ، وتسكن ارواحنا في اجسادنا راضية مرضية .