Site icon صحيفة صدى نيوز إس

بين الشروق والغروب… حكايةُ عمر

عبدالله شراحيلي ابو يحى

ما بين الشروق والغروب لا تمضي ساعات النهار فحسب، بل تمضي أعمار البشر، وكأن الشمس ساعةٌ كبرى علَّقها الله في فضاء الكون لتذكِّر الإنسان أن الزمن لا يتوقف، وأن الحياة ليست إلا رحلةً قصيرة بين نورٍ يولد ونورٍ يأفل.

فإذا أشرقت الشمس، حسب الناس أنها تُنير الأرض، وما دروا أنها تُوقظ في القلوب عهدًا جديدًا مع الأمل، وتفتح للنفوس بابًا آخر للتوبة والعمل، وتهمس لكل من أثقلته الهزائم: ما دام الفجر قد عاد، فإن اليأس لم يُخلق ليستوطن قلبًا مؤمنًا.

ثم يمضي النهار، ويحسب الإنسان أنه يمضي فيه، والحقيقة أن النهار هو الذي يمضي فيه، ينحت من عمره يومًا، ويقتطع من صحيفته صفحةً لا تعود أبدًا. فما أقصر الحياة حين تُقاس بالأيام، وما أطولها حين تُقاس بالأثر الذي يتركه الإنسان في الأرواح.

وحين يتكئ الغروب على كتف الأفق، لا تنطفئ الشمس وحدها، بل تنطفئ معها حكاية يومٍ كامل، بما حمل من ضحكاتٍ ودموع، ومن لقاءاتٍ ووداع، ومن أمنياتٍ تحققت، وأخرى بقيت معلقةً في سماء الرجاء. عندها يدرك القلب أن أعمارنا ليست إلا سلسلةً من الغروب، وأن كل مساء يطوي صفحةً من كتاب الحياة لن تُفتح مرةً أخرى.

وما أعجب الإنسان! يطارد الدنيا وكأنها باقية، ويؤجل الكلمة الطيبة، ويؤخر الاعتذار، ويبخل بالمحبة، ثم يفاجئه الغروب قبل أن يُتم ما كان يؤمله. ولو علم أن العمر أقصر من ظل غيمة، لأحسن إلى كل قلب، ولما نام وفي عنقه حقٌّ لأحد، ولجعل من أيامه بساتينَ من المعروف لا صحارى من الندم.

إن الحياة لا تُخلِّد أحدًا، ولكنها تمنح الخالدين فرصةً واحدة: أن يتركوا أثرًا لا تمحوه السنون. فكم من إنسانٍ غاب جسده، وما غابت سيرته، وكم من آخر عاش طويلًا، ثم مضى كأنه لم يعبر هذه الأرض يومًا.

فاجعل شروقك بداية خير، واجعل غروبك خاتمة رضا، واعلم أن أجمل الأعمار ليست أطولها، وإنما أكثرها نورًا في القلوب، وأعظمها نفعًا للناس، وأصدقها إخلاصًا لله.

فبين الشروق والغروب حكايةُ عمر، وبين أول شعاعٍ وآخر خيطٍ من الضوء يكتب الإنسان اسمه؛ فإما أن يكتبه على الماء فيمضي مع الموج، وإما أن ينقشه في القلوب، فتبقى حروفه حيَّةً وإن غاب صاحبها.

Exit mobile version