مزنة بنت سعيد البلوشية
كاتبة عمانية
يعد الصراخ والزجر وسيلتين شائعتين يلجأ إليهما بعض الآباء عند التعامل مع الأبناء في لحظات التوتر أو الغضب. ورغم أن الأب قد يبرر ذلك برغبته في التقويم والتربية، إلا أن الخط الفاصل بين التهذيب البناء والتخويف المدمر دقيق وهام للغاية. فبينما يهدف التهذيب إلى بناء شخصية واعية ومسؤولة، غالباً ما يخلف التخويف آثاراً نفسية عميقة تعيق نمو الطفل السليم.
أولاً: صراخ التهذيب (الحدود المؤقتة والنية البناءة)
في بعض المواقف الطارئة أو الاستثنائية، قد يرتفع صوت الأب لسبب محدد وضمن سياق ضيق، وغالباً ما تتسم هذه الحالة بالخصائص التالية:
تنبيه للحظة الخطر: يُستخدم لفت انتباه الابن فوراً نحو خطر داهم (مثل الاندفاع نحو طريق سريع أو العبث بالكهرباء)، وهنا يكون الصراخ مجرد رد فعل غريزي وسريع للحماية.
وضوح الرسالة: يركز الأب على الفعل الخطأ ويقوم بتوضيحه بعد هدوء العاصفة، مع تقديم البديل الصحيح.
الاحتفاظ بالاحترام المتبادل: لا يتضمن الصراخ إهانة شخصية أو تجريحاً للكرامة، بل يعبر عن رفض السلوك لا رفض الابن نفسه.
الندم والتقييم الذاتي: غالباً ما يشعر الأب بتأنيب الضمير لاحقاً إذا اضطر لرفع صوته، فيسعى لمد جسور الوصل والاعتذار بطريقة غير مباشرة واحتضان ابنه.
ثانياً: صراخ التخويف (العنف النفسي وآثاره المدمرة)
عندما يتحول الصراخ إلى أسلوب حياة وسلطة مستمرة، فإنه ينتقل من مربع التربية إلى مربع التخويف والإرهاب النفسي، وتظهر آثاره بوضوح من خلال:
التحكم عبر الرعب: يعتمد الأب على إثارة الخوف والقلق المستمر لضمان الطاعة، مما يجعل الابن يطيع خوفاً من العقاب لا اقتناعاً بالقيم.
تحطيم الثقة بالنفس: غالباً ما يصاحب صراخ التخويف عبارات جارحة، مقارنات محبطة، وأوصاف سلبية تلصق بشخصية الابن (مثل: “فاشل”، “لا فائدة منك”).
خلق شخصية مهزوزة أو عدوانية: ينشأ الأبناء في بيئة صراخ إما مصابين بالخوف المفرط والتردد الدائم، أو يكتسبون طباعاً عدوانية يمارسونها بدورهم مع من هم أضعف منهم.
فجوة التواصل: يؤدي الصراخ المستمر إلى إغلاق قنوات الحوار؛ فيلجأ الأابناء إلى الكذب أو إخفاء الحقائق هروباً من بطش الأب وردود أفعاله العنيفة.
ثالثاً: البدائل التربوية الفعالة
للوصول إلى غاية التهذيب دون الوقوع في فخ التخويف، يمكن اعتماد الوسائل الآتية:
الحوار الهادئ والحازم: الحزم لا يحتاج إلى علو الصوت، بل إلى نبرة واضحة وثابتة تعبر عن الجدية والالتزام بالقواعد.
الاستماع الفعال: منح الابن فرصة لتوضيح وجهة نظره وأسباب سلوكه قبل إصدار الأحكام السريعة.
التركيز على العواقب المنطقية: بدلاً من الصراخ والعقاب البدني أو اللفظي، يتم ربط الخطأ بعاقبته الطبيعية (مثل تحمل مسؤولية إزالة الفوضى أو تعويض الضرر).
التشجيع والتعزيز الإيجابي: التركيز على إبراز السلوكيات الجيدة ومدحها، مما يقلل تلقائياً من الحاجة لل لجوء إلى الأساليب السلبية.
خاتمة
الصراخ قد يفرض طاعة مؤقتة خوفاً، ولكنه لا يبني إنساناً سوياً أو واعياً. إن التربية الحقيقية تستمد قوتها من المحبة، الاحترام المتبادل، والقدوة الحسنة، لا من علو الأصوات وقسوة الكلمات.

