Site icon صحيفة صدى نيوز إس

العجلة.. حين يسبق القرار الحكمة

 

بقلم د معدي حسين علي آل حيه

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتُتخذ القرارات بضغطة زر، أصبحت العجلة من أبرز التحديات التي تواجه الإنسان في حياته اليومية. وبين سرعة الإنجاز المحمودة، والتسرع المذموم، يقف الإسلام ليضع ميزانًا دقيقًا يحفظ للفرد دينه وعقله ومصالحه.

أولًا: العجلة ليست دائمًا فضيلة

يخطئ البعض عندما يظن أن سرعة اتخاذ القرار دليل على القوة والذكاء، بينما تؤكد النصوص الشرعية أن التسرع الذي يغيب معه التثبت والتفكير سبب للخطأ والندم، في حين أن المبادرة إلى الطاعات والخيرات هي السرعة المحمودة التي دعا إليها الإسلام.

ثانيًا: التاريخ يقدم دروسًا لا تُنسى

غزوة أحد تمثل نموذجًا واضحًا لخطورة التعجل، فقد أدى استعجال بعض الرماة وترك مواقعهم قبل انتهاء المهمة إلى تغير مجرى المعركة. كما أن قصة موسى عليه السلام مع الخضر تعلمنا أن الصبر مفتاح لفهم الحكمة، وأن الاستعجال قد يحرم الإنسان من خير كثير.

ثالثًا: الندم ثمرة التسرع

كم من كلمة قيلت في لحظة غضب أفسدت علاقة، وكم من قرار متعجل كلف صاحبه سنوات من المعاناة، وكم من استعجال في طلب الرزق أو تحقيق المكاسب أوقع أصحابه في المحرمات. ولهذا قيل: “من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه”.

رابعًا: الأناة خُلق القادة والحكماء

الأناة ليست ترددًا، وإنما هي قدرة على التروي، وجمع المعلومات، والنظر في العواقب قبل إصدار القرار. ولهذا جاءت السنة النبوية مؤكدة أن الأناة من الأخلاق التي يحبها الله، لأنها تقود إلى حسن الاختيار وسلامة النتائج.

خامسًا: هناك سرعة مطلوبة

رغم التحذير من التسرع، إلا أن الإسلام دعا إلى المبادرة في مواطن الخير، مثل التوبة، وقضاء الديون، وإكرام الضيف، وتجهيز الميت، وكل ما فيه مصلحة عاجلة لا تحتمل التأخير.

سادسًا: حاجتنا اليوم إلى ثقافة التثبت

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح التسرع في نقل الأخبار، وإصدار الأحكام، والتعليق على الأحداث، من أكثر أسباب نشر الشائعات وإثارة الفتن. لذلك أصبح التثبت والتأني ضرورة أخلاقية ومجتمعية قبل أن يكونا سلوكًا فرديًا.

ختامًا

الأناة لا تعني البطء، كما أن السرعة لا تعني النجاح. والإنسان الحكيم هو من يعرف متى يبادر، ومتى يتريث، ومتى يتخذ القرار بعد دراسة وتفكير. فالعجلة قد تمنح مكسبًا مؤقتًا، لكنها كثيرًا ما تترك وراءها ندمًا طويلًا، بينما تبقى الأناة طريقًا إلى الحكمة، وسلامة القرار، وطمأنينة النفس.

Exit mobile version