الإعلامي/ خضران الزهراني
بين الصمت الذي لا يُروى… والكلام الذي مات قبل أن يُقال
ليست كل الحكايات تُكتب، وليست كل الدموع تُرى، فهناك قلوبٌ اختارت الصمت لغةً، ليس لأنها لا تملك الكلمات، بل لأن الكلمات خذلتها حين عجزت عن وصف ما بداخلها.
كم من إنسانٍ يمر بجانبك، يبتسم، ويصافح، ويشارك الناس أحاديثهم، بينما يحمل في أعماقه ركامًا من الذكريات، ووجعًا لو قُسِّم على الجبال لتصدعت من ثقله.
إنه ذلك الفراغ القاتل…
ليس فراغ المكان، فالأماكن قد تمتلئ بالبشر، وليس فراغ الوقت، فالساعة تمضي كما أرادها الله، لكنه فراغ الروح حين يغيب الأمان، ويبتعد الأحباب، وتنكسر الأحلام، ويصبح الإنسان غريبًا حتى عن نفسه.
هناك معاركٌ لا يسمع ضجيجها أحد، تدور داخل الصدور بصمتٍ مؤلم، تبتلع الضحكات، وتطفئ بريق العيون، وتجعل الليل أطول من العمر نفسه.
قد ترى إنسانًا يضحك كثيرًا، ولا تعلم أنه يبكي كل ليلة حتى يغفو من شدة التعب، وقد ترى آخر صامتًا، فتظنه متكبرًا، بينما هو منشغل بترميم قلبٍ تهدّم ألف مرة ولم يره أحد.
حكايةٌ أبكت الجدران قبل البشر
كان رجلٌ يعود إلى منزله كل مساء، يفتح الباب بهدوء، يخلع حذاءه كما اعتاد، ثم ينادي باسم زوجته…
لكنه لا يسمع إلا صدى صوته.
رحلت منذ أعوام، وبقيت تفاصيلها تسكن المكان.
ما زال فنجانها في الخزانة، وثوبها في الدولاب، وصورتها على الجدار، وكأن الزمن رفض أن يمحوها.
يجلس أمام المائدة، يضع كوبين من الشاي دون أن يشعر، ثم ينتبه فجأة…
فيبتسم ابتسامةً باهتة، ويهمس:
“سامحيني… ما زلت أنسى أنكِ أصبحتِ في ذمة الله.”
ثم يرفع رأسه إلى السماء، وتسبق دموعه كلماته.
لم يكن الناس يرون منه إلا الرجل الصبور، أما وسادته فكانت الشاهد الوحيد على ليالٍ طويلة من البكاء.
وحكايةٌ أخرى… تثبت أن بعد العسر يُسرًا
شابٌ أنهكه الانتظار، وأغلقت في وجهه الأبواب، حتى ظن أن الحياة نسيت اسمه.
كان يعود كل يوم وهو يحمل ورقة رفض جديدة، لكنه لم يحمل يومًا اعتراضًا على قضاء الله.
وفي ليلةٍ سجد طويلًا وقال:
“يا رب… إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدًا فقربه، وإن كان قليلًا فبارك لي فيه.”
ولم تمضِ إلا أيام حتى جاءه اتصالٌ غيّر مجرى حياته.
بدأ موظفًا بسيطًا، ثم صار قائدًا يُشار إليه بالبنان.
وحين سألوه عن سر نجاحه قال:
“حين ييأس الناس من الأبواب، كنت أطرق باب السماء.”
وهكذا تمضي الحياة…
تأخذ منا أشخاصًا لن تعوضهم الدنيا، وتهدينا أشخاصًا لم نتوقع وجودهم، تغلق بابًا لنفهم قيمة الصبر، وتفتح آخر لنوقن أن تدبير الله أعظم من أحلامنا.
في الحياة طفلٌ يضحك لأول مرة، وشيخٌ يودع الدنيا بآخر ابتسامة، وأمٌّ تنتظر عودة ابنها، وابنٌ يقف على قبر أمه متمنيًا لو يعود الزمن دقيقة واحدة.
عريسٌ يُزف إلى الفرح، وآخر يُشيّع أعز أحبابه إلى مثواه الأخير.
إنها الحياة…
ليست عادلة في تفاصيلها، لكنها مملوءة برحمة الله، ولطيفة بلطفه، وعظيمة حين نؤمن أن كل ما كتبه الله خير.
رسالة إلى كل قلبٍ أنهكه الصمت
إن شعرت أن أحدًا لا يفهمك، فتذكر أن الله يعلم ما في صدرك قبل أن تنطق.
وإن ضاقت بك الدنيا، فارفع يديك إلى السماء، فهناك ربٌّ لا يرد من دعاه.
وإن كسرتك الأيام، فاعلم أن الله يجبر الكسور التي لا يراها الناس.
ولا تيأس…
فكم من دعوةٍ ظن صاحبها أنها ضاعت، فإذا بها تأتيه في أجمل وقت، وأعظم صورة.
همسة أخيرة
لا تحكم على أحدٍ من مظهره، فقد يكون أكثر الناس ضحكًا، وهو أشدهم وجعًا.
ولا تستهِن بدمعةٍ تراها في عين إنسان، فلعلها خرجت بعد سنواتٍ من الصبر.
وأحسنوا إلى بعضكم، فكل إنسان يحمل في داخله قصةً لا يعرفها إلا الله.
واحتضنوا من تحبون، واغفروا قبل أن تندموا، واعتذروا قبل أن يرحل من تنتظرون منه الغفران.
فالعمر أقصر من الخصام، والأيام أسرع من الأمنيات، ولا يبقى في نهاية الطريق إلا أثر الكلمة الطيبة، وصدق المشاعر، وحسن العمل.
«تمسّك بالله في كل أحوالك، فإن القلوب إذا تعلقت بخالقها، هان عليها كل وجع، وصغر أمامها كل هم، وأشرقت فيها شمس الأمل مهما اشتد ظلام الحياة.»

