دكتور_حسن_الأمير
نعلم يقيناً أن عقارب الوقت خطوط مستقيمة لا ترتد إلى الوراء وأن قطار الأمس قد عبر مضايق الوجود محملاً بآخر قوافل الطهر مبرماً صك النفي لعهود لن تعود لكننا في عمق هذا الجدب نحمل وجداناً جُبل على الأبدية وجسد كبرياء طبع على الشغف العصي على الترويض تماماً كما فُطرت تضاريس الأرض على انتظار الغيث تنام الربا على حلم الرواء وتتلو وديان الشوق ترانيم صامطة تلتمس في غسق المسافات نسمة بلل تعيد صياغة النبض الهامد وتعيد ترتيب الحكاية التي تمرد فصلها الأخير……………
الاشتياق هنا ليس مباغتة لضعف طارئ بل هو صلاة الوفاء البكر حين تعصف بها رياح النزف الشامتة نحن لا نستجدي الأيام التي ولّت تباكياً على طلل بائد بل نوقظ في محاريب الروح خيالاً يبتكر اللقاء ويشيد مدناً من نور فوق أنقاض الواقع……………
إنه الظمأ الذي يشق خطاه أنهاراً من الكلمات النخبوية حاملاً أمانة عاطفة وُقعت بمداد الشرايين فما عاد الهجر يقوى على بتر حبل وصالها ولا عادت الخيبات تملك تدمير حصونها الشامخة………..
حين يعجز الصمت عن مواراة هذا الوجع الباذخ تغدو الذكرى مسرحاً منصوباً في كبد السماء تتشابك فيه ذرات الشوق لتصنع معراجاً دؤوباً يتجاوز طغيان خطوط الطول والعرض……………
الأرض في انتظارها الأزلي لا ترجو عطفاً من سحاب عابر بل تبتغي غيثاً يلبس ثوب اليقين غيثاً يعيد للسنابل الخضر هويتها قبل أن يدركها عقوق الخاتمة………
هو الكبرياء حين يتوضأ بالصبر فيتحول النحيب المكتوم إلى شمس دافئة تمزق غسق السنين ليبقى العشق مقدساً معافى من دنس الغياب ينبض بالأنفة التي تأبى أن تقتات على فتات المشاعر الشحيحة، منتظراً تلك الومضة الكونية التي تحيل رماد الانتظار إلى خلود لا تطاله يد الفناء…
…………………………………………….
من أنت !
العمر يجري والسحابة لا مطر
شاب الفؤاد ولا وصال ولا أثر
الشمس تشرق لا جديد ترينه
والليل زِينَتُهُ النجوم مع القمر
والعين كم تهوى المنام حبيبتي
وكأن ذاك الأمس يسترق النظر
والعمر يسألني علام تلومني
أوَ ما اكتفيتَ من التصبّر والحذر !
أدري بأن الأمس ليس يعود لي
لكنّ طبع الأرض تشتاق المطر
أين الوصال..وما وعدتِ..وخافقي
ومدامعي الثكلى يعانقها السحرْ
عُدُ يا زمان إلى الوراءِ فإنني
أشتاقُ واهبةَ السعادة للكدر
تلك العيون إذا حكتْ وتبسّمتْ
خلت السحاب لها تساقط كالثمر
والصوت موسيقا تداعب مسمعي
أواااه يا قدري شكوتكِ للقدر
يا أنتِ..أتعبني الحنين..متى غدٌ !
فاليومَ قد أعيتهُ رايات السهر
يا أنتِ..ها قلبي خذيهِ وشاهدي
عينيكِ من دلفت إليه من البشر
وسنينهُ من قبل تبصرها بكت
هل تعذر الدنيا الفؤاد إذا اعتذر
لا تستوي كل الغيوم فبعضها
يهب المزون وبعضها ماء البصر
فكأنما لعب الكرى بجفونها
فتمايلتْ أغصان ذيّاك الشجر
أدري بأن الأمس ليس يعود لي
لكنّ طبع الأرض تشتاق المطر

