Site icon صحيفة صدى نيوز إس

كيف تصنع منهجًا تربويًا متماسكًا؟

بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه

(متخصص في التوجه و الارشاد)

يشهد مجال تصميم المناهج التربوية تطورًا مستمرًا في أدواته وأساليبه، إلا أن بعض البرامج التربوية لا تزال تقع في أخطاء تؤثر في جودة مخرجاتها؛ أبرزها غياب التخطيط المنهجي، والاكتفاء باختيار الموضوعات بصورة ارتجالية، أو جمع الدروس مباشرة دون تحديد ما ينبغي أن يتعلمه المتعلم في كل مرحلة، وبأي ترتيب ينبغي أن يُقدَّم المحتوى.

ويؤدي هذا الخلل غالبًا إلى تكرار غير مقصود، أو فجوات في البناء المعرفي، أو تقديم موضوعات متقدمة قبل تأسيس أصولها. ومن هنا برزت مصفوفة المدى والتتابع بوصفها إحدى أهم الأدوات التنظيمية التي يعتمد عليها المختصون في تصميم المناهج الحديثة.

أولًا: ما المقصود بمصفوفة المدى والتتابع؟

مصفوفة المدى والتتابع ليست نظرية تربوية ولا أسلوبًا من أساليب التدريس، وإنما هي أداة تنظيمية تُسهم في بناء المنهج وترتيب محتواه بصورة متدرجة ومتكاملة.

وتقوم على الإجابة عن سؤالين رئيسين:

– ماذا نريد أن يتعلمه المتعلم؟ وهذا هو المدى.

– متى نُعلِّم كل موضوع؟ وما الترتيب المناسب لتقديمه؟ وهذا هو التتابع.

وعند الإجابة عن هذين السؤالين تتضح الصورة الكاملة لبناء المنهج.

ثانيًا: لماذا سُمِّيت بالمصفوفة؟

سُمِّيت بالمصفوفة لأنها تُعرض غالبًا في صورة جدول يتكون من محورين متقاطعين:

– المحور الرأسي (العمودي): يمثل المدى، أي الموضوعات والمهارات والقيم المراد تعليمها.

– المحور الأفقي: يمثل التتابع، أي المراحل الزمنية كالسنوات أو المستويات أو الفصول الدراسية.

وعند تقاطع كل موضوع مع مرحلته الزمنية يتحدد موضع تدريسه، وكيفية تدرجه داخل المنهج.

ثالثًا: نموذج مبسط للمصفوفة

في مجال القرآن الكريم:

– المرحلة الأولى: تصحيح التلاوة.

– المرحلة الثانية: زيادة الحفظ.

– المرحلة الثالثة: تثبيت الحفظ والفهم.

وفي مجال الأخلاق:

– المرحلة الأولى: غرس الصدق.

– المرحلة الثانية: تعزيز الأمانة.

– المرحلة الثالثة: ترسيخ المسؤولية.

وفي مجال المهارات:

– المرحلة الأولى: تعلم الانضباط.

– المرحلة الثانية: التدريب على العمل الجماعي.

– المرحلة الثالثة: تنمية القيادة.

وعند وضع هذه العناصر في جدول، تكون المجالات في المحور الرأسي، بينما تمثل المراحل الدراسية المحور الأفقي.

رابعًا: مفهوم المدى

المدى هو حصر جميع المعارف والمهارات والقيم والاتجاهات التي يراد أن يكتسبها المتعلم خلال مدة البرنامج.

وفي البرامج التربوية قد يشمل المدى:

– العقيدة.

– القرآن الكريم.

– العبادات.

– الأخلاق.

– تحمل المسؤولية.

– العمل الجماعي.

– القيادة.

ويجيب المدى عن سؤال واحد فقط: ما الذي نريد تعليمه؟

خامسًا: مفهوم التتابع

أما التتابع فهو ترتيب عناصر المدى ترتيبًا منطقيًا ومتدرجًا، بحيث يبني كل موضوع ما بعده.

فليس من المناسب تعليم القيادة قبل تعويد المتعلم على الانضباط وتحمل المسؤولية، كما لا يُقدَّم الحديث عن الدعوة قبل ترسيخ العقيدة.

فالمحتوى ثابت، لكن ترتيبه هو الذي يمنح المنهج قوته وتماسكه.

سادسًا: أمثلة تطبيقية

المثال الأول: في الرياضيات

المدى

1. الجمع.

2. الطرح.

3. الضرب.

4. القسمة.

5. الكسور.

التتابع:

1. الجمع.

2. الطرح.

3. الضرب.

4. القسمة.

5. الكسور.

ويظهر هنا أن قيمة المنهج ليست في المحتوى وحده، بل في ترتيب تقديمه بما يحقق البناء التدريجي للمهارات.

المثال الثاني: برنامج تربوي لإعداد شاب مسؤول

المدى:

1. العقيدة.

2. العبادات.

3. الأخلاق.

4. المسؤولية.

5. القيادة.

التتابع:

1. المرحلة الأولى: تأسيس العقيدة والعبادات.

2. المرحلة الثانية: بناء الأخلاق والانضباط.

3. المرحلة الثالثة: تنمية تحمل المسؤولية والعمل الجماعي.

4. المرحلة الرابعة: إعداد القيادة والمبادرات.

فالمدى بقي ثابتًا، بينما جاء التتابع متوافقًا مع مراحل نمو المتعلم.

سابعًا: أشكال عرض مصفوفة المدى والتتابع

تتنوع طرق عرض المصفوفة وفق طبيعة المنهج، ومن أبرزها:

1. العرض الجدولي، وهو الأكثر شيوعًا، ويُظهر التدرج ويكشف الفجوات والتكرار.

2. العرض الخريطي، من خلال شبكة توضح العلاقات بين المفاهيم والمهارات.

3. العرض السردي، عبر وصف تطور التعلم مرحلة بعد مرحلة.

4. العرض الرقمي، بتنظيم عناصر المنهج إلكترونيًا لتسهيل المتابعة والتحديث.

ثامنًا: أبرز فوائد المصفوفة

تسهم مصفوفة المدى والتتابع في:

1. منع التكرار غير المقصود في المحتوى.

2. كشف الموضوعات أو المهارات التي لم تُدرج في المنهج.

3. تحقيق التدرج المنطقي من السهل إلى الصعب، ومن الأساس إلى الفرع.

4. تحقيق التوازن بين الجوانب العلمية والإيمانية والمهارية.

5. توحيد رؤية المعلمين والمربين تجاه أولويات المنهج ومسار بنائه.

تاسعًا: خطوات بناء المصفوفة عمليًا

تمر عملية إعداد المصفوفة بخمس مراحل رئيسة:

1. تحديد الهدف النهائي للبرنامج بدقة، ووصف المخرج المتوقع.

2. حصر جميع عناصر المدى من معارف ومهارات وقيم.

3. تقسيم البرنامج إلى مراحل أو مستويات زمنية واضحة.

4. توزيع عناصر المدى على تلك المراحل وفق ترتيب منطقي ومتدرج.

5. مراجعة المصفوفة للتأكد من خلوها من الفجوات، والتكرار غير المبرر، والقفزات غير المناسبة بين المراحل.

عاشرًا: خلاصة

تكمن المشكلة في كثير من المناهج التربوية ليس في ضعف محتواها العلمي، وإنما في ضعف تنظيم ذلك المحتوى وترتيبه. فقد يكون المحتوى ثريًا ومفيدًا، لكنه يفقد أثره إذا قُدِّم في غير وقته أو بغير تدرج مدروس.

ومن هنا تبرز أهمية مصفوفة المدى والتتابع باعتبارها أداة تنظيمية تحول المنهج من مجموعة موضوعات متفرقة إلى بناء تربوي متماسك ومتدرج، يقود المتعلم خطوة بعد أخرى نحو تحقيق الأهداف المنشودة، ولذلك أصبحت اليوم من أهم الأدوات التي يعتمد عليها المختصون في تصميم المناهج وتطويرها.

Exit mobile version