Site icon صحيفة صدى نيوز إس

هل قرّبتنا وسائل التواصل الاجتماعي أم جعلتنا أكثر وحدة؟

 

بقلم أ. غميص الظهيري

حين اختصرت التقنية المسافات.. وبقيت المسافة بين القلوب

في زمنٍ مضى، كانت المسافات تُقاس بالطرق، وكانت الزيارة تحتاج إلى موعد، والاطمئنان على الغائب يحتاج إلى مكالمة طويلة أو رسالة تحملها الأيام حتى تصل. كان الإنسان يعرف أخبار أهله وأصدقائه من خلال اللقاء، ويقرأ مشاعرهم من أصواتهم وملامح وجوههم.

ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، فتغيّر كل شيء. أصبح البعيد قريبًا، والغائب حاضرًا، والرسالة تصل في اللحظة نفسها التي نفكر فيها بإرسالها. صرنا نرى من نحب مهما أبعدتهم المدن، ونشاركهم أفراحهم ومناسباتهم، ونطمئن عليهم بضغطة زر.

لكن وسط هذا القرب الرقمي، يبرز سؤال إنساني: هل أصبحنا فعلًا أكثر قربًا من بعضنا؟

ربما نحن اليوم أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكن الاتصال ليس دائمًا قربًا، والحضور لا يعني دائمًا وجودًا حقيقيًا.

قد نعرف أين ذهب شخص ما، وماذا فعل، وما الذي نشره، لكننا لا نعرف بالضرورة ما الذي يؤلمه. نرى ابتسامته في الصورة، ولا نعرف كم من التعب أخفته تلك الابتسامة.

لقد أصبحنا نعرف تفاصيل حياة الآخرين، بينما قد نجهل أحيانًا ما يحدث داخل قلوبهم.

وفي الماضي، كان اللقاء مساحة للحكاية؛ يجلس الناس ويتحدثون ويضحكون، وتظهر في نبرة الصوت وملامح الوجه مشاعر لا تستطيع الكلمات وصفها. أما اليوم فقد تختصر العلاقة في رسالة، أو إعجاب، أو تعليق سريع.

نضع قلبًا تحت صورة إنسان نحبه، ثم ننتقل إلى المنشور التالي، دون أن نسأل: هل يحتاج هذا الإنسان إلى قلب إلكتروني، أم إلى قلب يجلس بجواره؟

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل من أعظم الأدوات التي قرّبت البعيد، وأعادت التواصل بين الأصدقاء، وربطت أفراد الأسر رغم اختلاف المدن، وفتحت أبوابًا واسعة للتعلم والعمل والتطوع وخدمة المجتمع.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الشاشة بديلًا عن الحياة، وعندما نجتمع في مكان واحد بينما يعيش كل منا في عالم مختلف داخل هاتفه.

الأجساد متقاربة، لكن القلوب منشغلة.

وقد تكون هذه إحدى صور الوحدة الحديثة؛ أن يكون الإنسان وسط الناس، لكنه لا يجد من يصغي إليه.

فالإنسان لا يحتاج فقط إلى من يقرأ رسالته، بل يحتاج إلى من يقرأ صمته، ولا يحتاج فقط إلى من يشاهد صورته، بل إلى من يلاحظ تغير ملامحه ويسأله بصدق: كيف حالك؟

كما أن ما نراه في وسائل التواصل ليس الحياة كاملة. صورة جميلة، ورحلة، ونجاح، وابتسامة، لا تخبرنا بما خلفها. فالصورة لحظة، بينما الحياة عمر، والمنشور لقطة، والإنسان قصة طويلة لا تظهر تفاصيلها على الشاشة.

ولعل الإنسان في لحظاته الصعبة لا يحتاج إلى مئات المتابعين، بقدر ما يحتاج إلى شخص واحد يقول له: أنا معك.

نحن لا نحتاج إلى هجر التقنية، وإنما إلى أن نعيد التوازن؛ أن نستخدم الهاتف لنسأل عن غائب، لا أن نستخدمه لنغيب عمن أمامنا. أن نعيد للزيارة دفئها، وللصداقة صدقها، وللأسرة وقتها، وللجيرة معناها.

نحتاج أحيانًا إلى أن نضع الهاتف جانبًا، ونرفع أعيننا إلى الوجوه من حولنا؛ فربما كان هناك أب ينتظر جلسة قصيرة، أو أم تنتظر سؤالًا بسيطًا، أو صديق يحتاج إلى حضورنا أكثر من حاجته إلى رسالة.

فالحياة الحقيقية لا تحدث دائمًا على الشاشة؛ تحدث في جلسة عائلية، وفي كوب قهوة مع صديق، وفي زيارة، وفي ضحكة لا تحتاج إلى تصوير، وفي يد تمتد للمساعدة دون كاميرا.

لقد اختصرنا المسافات بالتكنولوجيا، ووصلنا إلى أقصى العالم بضغطة زر، لكن التحدي الحقيقي لم يعد في كيفية الوصول إلى الآخرين، بل في كيفية الوصول إلى قلوبهم.

وعندما تنطفئ الشاشات وتهدأ الإشعارات، لن يبقى في ذاكرة الإنسان عدد الإعجابات والمشاهدات، وإنما ستبقى الوجوه التي أحبها، والقلوب التي احتوته، والمواقف التي وجد فيها من يقف بجانبه.

فالقرب الحقيقي ليس أن نكون متصلين بالإنترنت طوال الوقت، وإنما أن نبقى متصلين بالإنسان.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله في هذا العصر أن نرفع أعيننا من شاشاتنا، وننظر إلى من نحب، ونقول له ببساطة:

أنا هنا… فكيف حالك؟

Exit mobile version