دكتور حسن الأمير
في غسق المحابر حيث تتآكل الأوقات وتنكفئ الأيام على أعقابها يجلس الشاعر في عزلته الباذخة لا ليكتب النص بل ليكون هو القربان في محرقة الأبجدية…….
إن الزمان الراكض في منافي النسيان كاد يمحو الملامح ويسلب الحكاية مبقيا الروح معلقة بين عبرة تختنق في الحنجرة وذاكرة تعصف باليقين……
هنا ليس ثمة صمت بل صخب مخبوء يمور في عروق الفكر حيث تتعاهد الأشجار دموع الغياب لا لتمسحها بل لتظلها بشجن طاعن في العموق مثلما يتشح الشغاف بطهر السكينة بعد طوفان الوجد……
تبدأ الولادة من برد النوى الذي لم يكن زمهريرا ماديا بل جفافًا غادر معه صفاء الوصل ليقتل صبابة بكرًا تنزلت ذات نقاء كالقلادة المضيئة……..
هنا في مدار السؤال “يا كل أبياتي متى خنتيني؟”
فما كان الحرف يوما عاصيا لكنه في لحظة المخاض هذه يتمنع كأميرة مياسة تأبى أن تبوح بأسرار فتنتها لعيون العابرين……..
يعود النزف متدفقًا من ريشة الكشف تجشمًا لعبرات لا تريد أن تستحيل ماء بل تبحث عن خلود في سجن السنين عن ملجأ يضم آهات المعنى في غياهب الظنون
وعلى ناصية السطر الشاحب
تجثو القصيدة.. ظمآنة لا تروى من ذوب الخاطر ولا يكفيها هطول المحابر………
تسبح في مكان عصي على الرصد كأنها محض ترنيمة بصرية أو أضغاث حنين يتمادى في غوايته ليبتني من الفراغ هيكلا للوجد
هي دورة بين الموت والبعث تارة تموت الأبيات في مراقدها كأثر غابر وتارة تغوي صاحبها ليطير بالدنيا ولهانا جذلانا حيث يتجلى كبرياء الاكتفاء بالذات وتتوارى تبعات الملام خلف ظهر الناقد البصير…….
فلا تسألوا الشعراء عن نحيب نفوسهم إنها الشفاعة الأسمى لعاطفة نقية حيث يصبح بكاء الحروف مطهرا للروح وبلسما يشفي الجراح لتظل الصرخة المكتوبة وثيقة عدالة إنسانية ناطقة بحرية الشجن الذي يعلو موازين الأزمان وينفح الأرجاء بعطر لا يعرف النفاد
حكايتي و حروفي
يا ويلتي أخذ الزمان حكايتي
ومضى بها لمصيرها ونسيني
ومدامعي نسي الزمان مدامعي
كاد الزمان بفعلهِ ..يبكيني
تتعاهد الأشجار دمعًا ساقطًا
فتظلهُ ..يا أدمعي غطيني
برد الزمان قضى بقتل صبابتي
يا كل أيامي ولا تجديني
أنا شاعر والحرف طوع إرادتي
يا كل أبياتي متى خنتيني
أتجشمُ العبراتِ أكتب دمعةً
و أعود أنزف علّها تأتيني
من لي بآهاتِ الحروف أضمّها
لكنها ..تاهتْ بحبر سنيني
تجثو على كل السطور قصيدةٌ
ظمآنةٌ تشكو ولا تكفيني
و تظلُّ تسبح في المكانِ كأنها
حلمٌ وأضغاثٌ وبعض حنينِ
و مراقدُ الأبياتِ فوق سطورها
حينًا تموتُ ومرةً تغويني
فأطير والدنيا معي ولهانةٌ
جذلانةٌ ..وصبابتي تُثنيني
لا تسألوا الشعراء عن آهاتهم
إنّ الحروف إذا بكت تشفيني
#دكتور_حسن_الأمير

